بين واقعية القوة وخضوع الهزيمة

كيف يتحول التفوق العسكري الإسرائيلي إلى وهمٍ بالهزيمة الدائمة؟




خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد حرب غزة وما تبعها من عمليات عسكرية بلبنان وإيران وسوريا، أثبتت إسرائيل مرة جديدة إنها بتملك تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي كبير بالمنطقة. إنكار هالحقيقة هو خيال ووهم.

بس قوة الدول ما بتنقاس بعدد الطيارات والصواريخ بس، فإسرائيل بنت خلال عقود جزء كبير من قوتها على صورتها بالغرب، وعلى قدرتها بالتحكم بسردية الصراع وتقديم حالها كـ«دولة ديمقراطية محاصرة عم تدور على السلام». وهالصورة انهارت تماماً اليوم. بربيع 2026، أظهر استطلاع لمركز Pew شمل 36 دولة إن متوسط النظرة السلبية تجاه إسرائيل وصل لـ 67%، مقابل 25% إيجابية. وحتى بأميركا، أظهر Gallup بقياسو السنوي إنو التعاطف مع الفلسطينيين صار أعلى من التعاطف مع الإسرائيليين.

اللي سبق ما بيعني إنو إسرائيل انهارت أو فقدت تفوقها، بس ميزان القوة أعقد بكتير من القوة العسكرية لوحدها. 

أي دولة ممكن تربح بالميدان وتخسر بالسياسة وتخسر الرأي العام والشرعية، فلما تتحول قراءة ميزان القوى من واقعية سياسية لانبهار بالقوة العسكرية الصلبة، ومن الاعتراف بتفوق الخصم لاقتناع بإنو الخضوع إلو هو الخيار الوحيد، هون بيصير عنا مشكلة.

الواقعية إننا نعرف ميزان القوة متل ما هو ونبني سياستنا على أساسو. أما الخنوع، فهو إنو نحول ميزان قوة مؤقت لحقيقة أبدية، وبعدين نعيد تعريف حقوقنا ومصالحنا حتى تتناسب معو.

ممكن إسرائيل تكون أقوى من سوريا عسكرياً اليوم، بس بتضل الجولان أرض سورية محتلة. ممكن تملك أحدث الأسلحة، بس بعمرو مابيتحول الاحتلال بسبب هالشي لحق. وممكن تفرض وقائع بالقوة، بس بعمرها ما بتتحول القوة لشرعية.

لهيك بتضل إسرائيل بالنسبة إلنا عدو محتل طالما في شبر واحد سوري محتل من قبلها، وطالما انتهاكات السيادة والغارات والتوغلات مستمرة.

هاد ما بيعني الدعوة لحرب انتحارية، ولا رفض السلام. السلام ممكن يكون مصلحة سورية وإسرائيلية بمرحلة معينة، بس السلام الحقيقي يعني سيادة متبادلة، وحدود محترمة، وأمن متبادل وعدم اعتداء. أما السلام الي بينفرض تحت فوهة الدبابة والجنود لساتهن على أرضنا، فهو تثبيت لنتائج القوة، مو مصالحة بين دولتين.

السؤال المهم هون هو ليش صاير قبول الخضوع عند بعض السوريين كتير سهل وبديهي؟ وكيف وصل كتير منون لهالمرحلة من الخنوع؟

أسهل شي ممكن نعملو هون انو نوصفهن بالخونة وخلص. تفسير سهل خاضعين لانهن خونة. بس السبب الحقيقي هو اللاانتماء.

لما المواطن يقضي عقود وهو حاسس إنو الدولة مو دولتو، وإنو القانون ما بيعاملو متل غيرو، وإنو السلطة عم تطلع عليه من خلال طائفتو أو قوميتو أو منطقتو، وإنو الوطن ملك لجماعة أكتر ما هو ملك لكل أبنائو، شوي شوي بيبلش الرابط بين الإنسان والأرض يتآكل. وقتها بيصير سهل الواحد يقول شو خصني بالجولان؟ شو خصني بالجنوب؟ شو خصني إذا إسرائيل دخلت كم كيلومتر؟ المهم ما توصل الحرب لعندي. وهون بالتحديد بيبلش الخنوع. مو لأنو الخضوع صار طبع وحالة سورية طبيعية، بس عقود طويلة ساهمت بتدمير معنى المواطنة والانتماء، وبعدين إجت حرب طويلة مزقت المجتمع أكتر، واليوم الدولة السورية الجديدة لساتها واقفة قدام امتحان كبير كتير، كيف ترجع تبني الرابط بين السوري ووطنو؟

وهون في مسؤولية هائلة على السلطة الحالية. ما بيكفي نطالب السوري إنو ينتمي لدولتو. الدولة كمان لازم تعطيه أسباب حتى ينتمي إلها.

لازم السرياني والعربي والكردي والدرزي والعلوي والسني والمسيحي والإسماعيلي وغيرهن، يحسوا إنو سوريا إلهن كلهن بنفس القدر.

لازم القانون يكون أعلى من الطائفة، والمؤسسة أعلى من الجماعة، والمواطنة أعلى من الأصل والانتماء الفرعي.

لما المواطن يحس إنو الدولة بتحميه متل ما بتحمي غيرو، وإنو صوتو بيساوي صوت غيرو، وإنو مستقبلو فيها ما بيتعلق بطائفتو ولا قوميتو ولا منطقتو، وقتها الدفاع عنها بيصير أمر طبيعي، مو درس بالوطنية لازم حدا يعلمو ياه.

بس كل هالشي ما بيعني أبداً إننا عم نبرر الخنوع. فهم أسباب الظاهرة ما بيعني تبريرها.

على الفرد مسؤولية إنو يرفض يحول خوفو لفلسفة، وضعفو لعقيدة، وموازين القوى الحالية لقدر أبدي.

وعلى الدولة مسؤولية إنها تبني مواطن حاسس إنو هالأرض أرضو عنجد، وإن كرامة الدولة جزء من كرامتو الشخصية.

نحن منعتقد إنو جزء هائل من مشاكل سوريا بيبلش حله من هون، من دولة مواطنة حقيقية. دولة ما بتطلب من السوري يحبها قبل ما تعترف فيه. وما بتطلب منو يضحي كرمال وطن هو حاسس حالو فيه مواطن درجة تانية.

نحن ما بدنا سوري يصرخ بدو حرب من الصبح للمسا، ولا بدنا بطولات وهمية تنتهي بكوارث جديدة. بدنا سوري واقعي. بيعرف حجم بلدو. بيعرف إمكانياتو. بيعرف حدود قوتو. وبيعرف إيمت يفاوض، وإيمت يصالح، وإيمت يتراجع تكتيكياً.

بس بنفس الوقت، بيضل حامل جواتو خط ما بيتجاوزو:

فينا نقبل السلام، بس ما منقبل الذل.

فينا نعترف بتفوق خصمنا، بس ما منقدّسو.

وفينا نعجز اليوم عن استعادة حقنا، بس ما منقنع حالنا بكرا إنو الحق ما كان حقنا من الأساس.

لأنو أخطر شي ممكن يعمله الاحتلال مو إنو يحتل الأرض. أخطر شي إنو يقنع أبناء هالأرض إنو مقاومة الخضوع وهم، وإنو القوة حق، وإنو الهزيمة قدر.

وهون ما بتضل المشكلة قوة العدو بس لأنو بتصير المشكلة بغياب الوطن من جواتنا.

مصادر:

(1)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق