استزراع النخيل تزين أم تشويه؟

كيف تهدد زراعة النخيل النظام البيئي والهوية التاريخية لدمشق وحلب




بالسنوات الأخيرة صار ملاحظ كتير الاعتماد على أشجار النخيل وخاصة النخيل المروحي أو نخيل الزينة بالساحات والشوارع الرئيسية والمناطق السياحية والحيوية بالمدن الكبرى بسوريا، خاصة في دمشق وحلب. ورغم إنو النخيل ممكن يعطي جمالية للمكان بس استخدامو وبهاد الشكل الكبير وببيئة حضرية متل دمشق وحلب بيطرح أسئلة كتيرة عن السبب باختيار النخيل تحديداً غير عن كل الشجر الأخضر اللي كان مستخدم طول التاريخ بالمدينتين، فشجر النخيل هو نسبياً حديث بهي المدن وما كان تاريخياً مستخدم فيها.

استخدام شجر النخيل في تزيين مدخل الصالة الجديدة لمطار دمشق الدولي

حسب كل الخبراء والمهندسين الزراعيين إنو شجر النخيل إلو نطاق جغرافي ومناخي محدد وبتركز بسوريا بشكل أساسي بالبادية السورية والمناطق الشرقية متل تدمر والبوكمال والرقة ودير الزور، لأنو الصيف بكون جاف كتير والتربة رملية أو رسوبية وهاد المناسب للنخيل أما إقحامه بكثافة بشوارع دمشق وحلب يعتبر "استزراع" ببيئة مو مخصصة إلو، لأنو مناخ مدن متل دمشق وحلب وحتى حمص وحماة وادلب بتميز بموجات صقيع شتوية وانخفاض كبير بدرجات الحرارة ما بيتحملو النخيل الإستوائي أو الصحراوي، وهاد الشي بيخلي كتير من هي الأشجار بتعاني من شحوب الأوراق، وضعف النمو، والضمور الشكلي اللي بيفرغها من قيمتها الجمالية المفترضة بعد فترة من الوقت.

شجر النخيل ببيئة مو بيئتو عم تخلي تواجده بالتربة منافسة واستنزاف للقدرات من الناحية الزراعية والبيئية، وبشوف المهندسين الزراعيين إنو زراعة النخيل بالمنصفات والحدائق العامة لدمشق وحلب بتخلق مشاكل معقدة مع باقي مكونات الغطاء النباتي المحلي، لأنو أشجار النخيل بتحتاج لكميات مي كبيرة بمراحل تأسيسها لتتكيف مع التربة الطينية الكثيفة بغوطة دمشق أو التربة الكلسية بحلب، وهي تربة بتختلف تماماً عن بيئتها الأصليّة، كمان جذورها القويّة والممتدة بتنافس الشجيرات والغطاء الأخضر المحيط فيها على المغذيات والمي العذبة، وهاد الشي بيأدي لجفاف النباتات اللي جنبها أو تراجع نموها.

استخدام شجر النخيل في تزين محيط قلعة حلب

من ناحية تانية الأشجار بالمدن إلها وظائف غير التزيين، فالغرض الرئيسي من زراعة الأشجار بشوارع المدن هو خفض درجات الحرارة، وامتصاص الكربون، وتوفير المساحات الظليلة للمشاة والسيارات، بس النخيل بطبيعته القائمة وسعفه المرتفع ما بيوفر ظل كبير، مقارنة بالأشجار الأصيلة متل الدلب والكينيا والسرو والجوز أو الزيتون.

النخيل ناقل لآفات زراعية خطيرة ووزارة الزراعة السورية عملت حملات لمكافحة آفة "سوسة النخيل الحمراء" اللي أصابت المنصفات والحدائق العامة بدمشق وريفها وحمص. وبيشوف خبراء الوقاية الزراعية إنو استيراد ونقل أشجار النخيل بين المحافظات أو الشوارع ممكن يسبب تفشي لهي الآفة المدمرة، واللي أجبر البلديات من قبل لقطع المئات من شجر النخيل ونقلها للمطامر وحرقها لمنع انتشار العدوى، وهاد بيشكل إهدار للمال العام والوقت والجهد اللي بالأساس هو شجر مكلف كتير وبيحتاج لآليات كبيرة للزرع ولصيانة مستمرة ومعدات خاصة.

صيانة شجر نخيل بمنصف بمدينة حماة

مدن متل دمشق وحلب بطابع معماري وتراثي بيرتبط بأشجار متل الياسمين، النارنج، الكينا، التوت، والدلب، أمّا النخيل بطبعه الصحراوي أو الساحلي ما بينسجم مع الهوية التاريخية لهي المدن.

منجي على السؤال الأبرز طيب ليش عم يتم استبدال حدائق الفيحاء، وأشجار الياسمين والزيتون والفستق الحلبي وكل الأشجار الأصيلة بدمشق وحلب بالنخيل؟

الجواب على هاد السؤال إلو 3 احتمالات الأول هو الجهل بأنواع الشجر المناسب لبيئة مدن متل دمشق وحلب والاعتماد على الطابع الجمالي بس، أما الاحتمال التاني هو أسباب إيديولوجية بتحاول تربط مدن سوريا الكبرى بأكتر شجرة بتمثل الهوية الثقافية العربية وارتبطت تاريخياً بالعرب وجزيرة العرب وهي شجرة مباركة دينياً، أما الاحتمال التالت فهو مزيج من الاحتمالين الأولين.

النخيل شجرة مباركة وأصيلة بواحات تدمر والدير، بس زرعها بقلب الشام أو حلب القديمة بيقطع التواصل التاريخي بين المدينة وطبيعتها، وبيستبدل هويتها الخضرا العريقة بديكور خرساني ناعم ما بيشبه روح المكان.

التخطيط البيئي المستدام لازم يحترم البيئة الحيوية لكل منطقة ويتوقف التوسع بزراعة النخيل بالمنصفات والحدائق والساحات بدمشق وحلب ومدن شمال ووسط سوريا، وتوجيه زراعته لمواطنه الأصلية بالبادية والحزام البيئي المخصص إلو، والأهم إعادة الاعتبار للأشجار البيئية المحلية (كالـدلب، والزيزفون، والسرو، والزيتون) اللي بتمتلك مقدرة عالية على التكيف مع تربة ومناخ هي المدن وبتوفر ظل حقيقي وبتحافظ على التوازن البيئي، وهاد الشي بيتطلب تفعيل التنسيق العلمي بين مجالس المدن ونقابة المهندسين الزراعيين وكليات الزراعة قبل اعتماد أي نوع نبات جديد بمشاريع التجميل الحضري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق