سوريا وتحدّي الاختلاف السياسي
بعد عقود من الاستبداد كيف يتعلّم السوريون الاختلاف السياسي؟
فجأة صار المطلوب من الناس تصطف بمعسكرين. يا مع الاعتصام بشكل مطلق، يا ضد الاعتصام بشكل مطلق. يا مع المتظاهرين بالكامل، يا مع السلطة بالكامل. وكأنو ما عاد في مساحة للنقاش أو الاختلاف أو حتى طرح أسئلة مشروعة حول الوسائل والأهداف والنتائج.
لفهم هالمشهد لازم نرجع خطوة لورا ونشوف الصورة الأكبر.
على مدى أكثر من ستين سنة، عاش السوريون ضمن نظام سياسي ما كان يمنع التظاهر بس، كان يمنع السياسة نفسها. أجيال كاملة تربت ببلد كان فيه مجرد التفكير بتنظيم سياسي مستقل، أو المشاركة باعتصام، أو كتابة منشور سياسي، ممكن يخفي صاحبو ورا الشمس. ومع الوقت، صارت السياسة بالنسبة للسوريين شي محظور وصارت بالنسبة الهن هي عبارة عن خطابات القائد وشعارات حزب البعث وبس.
بعلم السياسة في مفهوم اسمه "الثقافة السياسية"، والفكرة الأساسية فيه إنو أي مجتمع بيتعلم السياسة بالممارسة. الناس بتتعلم كيف تختلف، وكيف تناقش، وكيف تنظم حالها، وكيف تضغط لتحقيق مطالبها عبر سنوات طويلة من التجربة والخطأ. ولهيك مو مستغرب أبداً إنو مجتمع خرج مؤخراً من عقود الاستبداد يمر بمرحلة ارتباك سياسي وشايل معو كتير من العادات والسلوكيات الموروثة من المرحلة السابقة.
حتى بعد سقوط النظام، بتضل آثار النظام القديم موجودة بطريقة التفكير والسلوك السياسي. هاد المفهوم بيسميه الباحثين "الإرث السلطوي". الدكتاتور ممكن يسقط، بس عقلية اللون الواحد ما بتختفي بيوم وليلة. ولهيك منشوف اليوم ناس كتير لساتها بتتعامل مع السياسة بنفس المنطق القديم، إذا اختلفت معي فأنت عدوي، وإذا انتقدت موقفي فأنت ضدي، وإذا ما دعمت الفكر يلي أنا مؤمن فيه فأنت متهم حتى تثبت براءتك.
من هون ممكن نفهم ليش أي حدث سياسي بسيط نسبياً عم يتحول لمعركة كبيرة على مواقع التواصل. لأنو السوريين اليوم ما عم يناقشوا اعتصام بس، وإنما عم يتعلموا السياسة من جديد بعد عقود طويلة من تغييبها.
وهون لازم نكون واضحين. التشبيح على المتظاهرين مرفوض. والتعرض لأي شخص بسبب رأيه أو موقفه السياسي مرفوض. وبنفس الوقت، التخوين واتهام كل شخص ما بيدعم الاعتصام أو بيتحفظ عليه بأنو داعشي مثلاً مرفوض كمان، لأنو إذا كنا فعلاً بدنا نبني حياة سياسية جديدة، فلازم نتعلم نقبل الاختلاف قبل ما نتعلم كيف نفوز النقاش.
حق التظاهر هو حق مشروع وإن كان ما بيعني إنو أي اعتصام أو أي تحرك سياسي رح يكون بالضرورة تحرك إيجابي أو قادر على تحقيق أهدافو، وبهي الفترة بالمرحلة انتقالية طبيعي كتير نشوف مبادرات تنجح ومبادرات تتعثر ومبادرات تثير الجدل، لأنو المجتمع كلو عم يخوض تجربة جديدة ويتعلم من خلالها.
المشكلة الحقيقية اليوم مو إذا شاركت باعتصام أو إذا رفضت تشارك. المشكلة الحقيقية حالة التعميم على الجهتين فكل سوري عندو حق باختيار موقفو طالما ما فيو أي تعدي على حرية التاني وحقو.
سوريا بعد ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ دخلت مرحلة جديدة. ونجاح هالمرحلة رح ينقاس بقدرتنا كسوريين على بناء ثقافة سياسية جديدة. ثقافة تسمح للناس أنو تتظاهر، وتسمح لغيرها أنو ينتقد التظاهر، وتسمح للجميع أنو يختلفوا بدون إنو يتحول الاختلاف لمعركة إلغاء متبادل.
فبعد ستين سنة من منع السوريين من ممارسة السياسة، يمكن أهم درس لازم نتعلمو اليوم مو كيف نتفق، وإنما كيف نختلف.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق