الجوفية إيقاع الحرب وصوت الحرية

الجوفية والحاشي من أركان الهوية والتراث النضالي في حوران والأردن



الجوفية هي لون غنائي واسع الانتشار بجنوب سوريا الطبيعية (بلاد الشام) بالمجتمعات الريفية والمدنيّة بحوران والأردن، وبيرافق الجوفية رقصة ذكوريّة خاصّة معروفة بنفس الاسم وبتكون غالباً بدون مرافقة للآلات الموسيقيّة.

بتشير المراجع والأبحاث إنو تسمية الجوفيّة بترتبط بمنطقة الجوف على الحدود الأردنية السعودية، وهي المنطقة اللي طلع منها هاد النوع الغنائي، وانتقل للمناطق المجاورة بالقرن العشرين خلال الحروب ضد العثمانيين بفترة الثورة العربية الكبرى، خصوصاً وإنو الجوفيّة من الألوان الغنائية الحماسيّة وبتناسب أجواء الحروب والمعارك.

غالباً حسب الباحثين بيشوفوا إنو الرقصة هي اللي نشأت بالأساس وعطت اسم "الجوفيّة"، والتصق بأدائها مجموعة من الألحان اللي تناسبت مع إيقاع الرقصة، ولو كان الاسم مرتبط بالغناء أكتر من الرقصة لكان اسمو "جوفي"، متل الهجيني والشروقي.

من أقدم الإشارات التاريخية للجوفية بيرجع لعام 1879 بعد ما وصفت الرحالة الانجليزية الليدي آن بلنت الرقصة بزيارتها لمنطقة الجوف ووثقتها بكتابها "الحج إلى نجد".

بس يعتبر عام 1925 هو التاريخ الأبرز اللي "تأرخت" فيه قصائد الجوفية فعلياً. فخلال الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، تم تدوين عشرات القصائد اللي تأدت بلحن الجوفية لتخليد معارك متل (معركة المزرعة) و(معركة الكفر). بهي الفترة، وتحولت الجوفية من فن قبلي إلى أداة توثيق وطنية، وصارت القصائد التلي تتغنى اليوم (مثل قصائد رثاء الأبطال ومدح الشجاعة) بترجع جذورها مباشرة لهديك الحقبة.

أما الحاشي فهي جزء مكمل لرقصة الجوفية، بس هي شي تاني مختلف من حيث الدور والأداء، فهي العنصر الأنثوي اللي بيكسر الدور الجماعي الذكوري المتمثل بالجوفيّة.

بالجوفيّة بتتقابل مجموعتين من الرجال بتفصل بيناتهن مسافة معقولة بتسمح لكل مجموعة أنو يطلع منها رجال شايل سيف سيف أو عصاي ليمارسوا استعراض حربي على شكل التقاء وانفصال متكرر بين الراقصين، وبتبلش المجموعتين يغنوا ويقولوا أبيات الشعر الغنائيّة الخاصة بالجوفيّة والمشي بخطى متزنة ضمن حلقة دائريّة بيستمر فيها الدوران حتى نهاية الأغنية.

بالحاشي لازم تكون المرأة حلوة ومدللة وتدخل المنطقة اللي قدام الصف أو بين الصفين المؤديين لرقصة الجوفية، وغالبا بتكون ملتفَة بعباية سودا، وما مبينة ملامحها، وتنزل وسط المشاركين بالجوفية، ويكون بإيدها عصاي ترقص فيها، وتستعرض حركاتها اللي بتكون بهدوء، وبتمثل الحاشي الجمال، العرض، والمحرك المعنوي للرجال.

الجوفية والحاشي صاروا شي أساسي بالأعراس والمناسبات الوطنية بحوران والأردن، وكلمات الجوفية بتتغنى بتراث المنطقة وبطولاتها، وكمان بتعمل حماس للمشاركين، وبرزت كتير بحوران خلال الثورة السورية الكبرى اللي انطلقت من جبل حوران، وتحولت بالثورة السورية (من عام 2011) من مجرد فن تراثي للمناسبات الاجتماعية لأداة مقاومة سلمية وسلاح تعبيري فعال، خاصة في مهدها "درعا". واستعاد المتظاهرين هاد الإرث الحربي القديم ليعيدوا استخدامه بسياق المطالبة بالحرية والكرامة.


خلال الثورة تم إعادة صياغة أبيات مشهورة بالجوفية لتواكب الحدث، وصارت تستخدم لرفع الحماس والدلالة على الصمود خاصة بفترات الحصار تماماً متل ما كان يعمل أجدادهن خلال الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، وساعدت بكسر حاجز الخوف بطابعها الجماعي والحماسي، ومثّلت الخيط اللي بيربط السوريين بهويتهن وبثورتهن، وخاصة اهل حوران، وصار يتم تأديتها بالوقفات التضامنية حول العالم كرمز للهوية الحورانية السورية الثائرة، وهاد ساهم بتعريف العالم بهاد الفن مو كرقصة بس، بل كصوت للحرية.

المصادر:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق