السوريون وثقافة الحب حتى الموت
ما هي الجذور التاريخية لعلاقة الحب بالموت عند السوريين؟
"تشكُل آسي" و"تطلع على قبري" و"تقبرني" هي من أشهر مصطلحات الغزل المتداولة بلغة السوريين اليوم، واللي منلاحظ فيها ارتباط الحب بالقبر، العشق بالموت، وهاد الشي مو وليد اللحظة عند السوريين، فجذور ثقافة الربط بين الحب والموت عند السوريين قديمة أكتر ما نتخيل.
بالغزل السوري، الموت مو بس نهاية، هو الفداء. لما السوري بيقول "تشكل آسي"، هو عم يطلب من المحبوب يكون "الناجي الوحيد" يعني المحب بيقبل الموت ليبقى المحبوب. وهون لازم نرجع للأساطير السورية القديمة وأسطورة عشتار وتموز لأنو تموز نزل على الأرض فدا لحبيبته، والعودة من الموت صارت مرتبطة بـ "قوة الحب والدموع". السوري لما بيقول "تقبرني"، كأنه عم يعيد تمثيل دور "الفدية" يعني عم يطلب: "أنا بروح عالموت (العالم السفلي) مشان أنت تضل عايش فوق".
حتى مصطلحات "الدوبان" بالحب متل: "بدوب فيك" هو مرتبط بهي الأساطير الكنعانية والفينيقية، فالحب هو القوة اللي بتواجه الموت، بس بنفس الوقت بتحتاج إلو مشان تتجدد. فالموت بالأسطورة السورية (موت أدونيس) هو مقدمة لولادة الربيع، وهاد الربط خلى السوري يشوف بـ"الدوبان" في المحبوب نوع من الولادة الجديدة.
الارتباط التاريخي بين عشتار وتموز ما وقف عند حدود الفداء، بل امتد ليعكس حالة العتب. فالسوري بموروثه الغزلي، بيعاتب حبيبه بالموت؛ بيقول "يعدمني إياك" أو "يبعتلك حمى" أو "وبى" مو كدعوة شر، بل كنوع من "الدلع القاسي" اللي بيشبه لحظة غضب عشتار على حبيبها تموز. وبالمقابل، بكاء عشتار وندمها اللي رجّع تموز من العالم السفلي، فصار هو النموذج للأغنية السورية (الموليا والعتابا) اللي بتبكي الحبيب الغايب وكأنه ميت، وبترجوه يرجع لترجع الروح للجسد (الربيع للأرض حسب أسطورة عشتار وتموز).
بكتاب لوقيان الساموساطي "De Dea Syria" بيوصف طقوس الحزن والبكاء على تموز في هيرابوليس (منبج). وكانت طقوس جماعية مليانة بكاء وحداد، وهاد عزز صورة العاطفة المرتبطة بالموت بالمنطقة، ويمكن هاد الشي بيفسر"الموّال" السوري. الموال الشامي أو الحلبي اللي فيه بحّة حزن، وكأنه ندب على المحبوب وهو لساته عايش.
المؤرخ اليوناني بلوتارك اللي عاصر القرن الأول والتاني حكى بهاد الموضوع: السوريين (المشرقيين) عاطفيين، دمعتهن سريعة، ما بيحبوا القتال، ومميزين بطريقتهن بالحزن على أمواتهن، وبيتخبوا بالعتمة كم يوم حداد، وكُتّاب موسوعة (Universal History (Sale et al الصادرة بلندن بين أعوام 1747 -1768 بيعلقوا إنو هالوصف من بلوتارك لساتو من مميزات السوريين من الرها حتى القدس.
بالعصر الأموي بسوريا ظهر ما يسمى الحب العذري وهو الحب المستحيل واللي بيستند على العلاقة العاطفية بشكل كامل بدون أي ممارسات جنسية، وازدهر الغزل العذري بالبادية السورية واللي كان كتير يربط الحب بالموت والخلود وتفضيل الموت عن الفراق.
حتى دينياً، فهي البيئة العاطفية والروحانية كانت أساس لانتشار الفكر الصوفي أكتر من غيرو في سوريا خاصة في دمشق وحلب فالحب الإلهي هو بيمثل الفناء وبيمثل الموت الرمزي، ومن رموز الصوفية محيي الدين بن عربي اللي اندفن بدمشق وأثر فيه التيار الروحي الشامي فكرة "الموت في الحب" وتحولها لبنية روحية، بتفضل الموت عن الفراق.
وهاد الموت الرمزي انتقل من حلقات الذكر الصوفية ليدخل ببيوت الشام وحاراتها، فصار العاشق السوري "درويش" بساحة حبه. لما بنسمع القدود الحلبية وهي عم تغني "على العقيق اجتمعنا"، منشوف كيف الدوبان بالحبيب بيوصل لدرجة السكر والغياب عن الوعي، كأنه غياب عن الحياة الدنيا ودخول ببرزخ العشق.
ارتباط الموت بالحب هو صار جزء من الثقافة السورية اللي تجسد حتى بالأغاني الشعبية الشامية اللي منشوف فيها أنو الحبيب بيتمنى الموت إذا فارقه حبيبه، وكتير بتصور الثقافة السورية أنو القبر هو مكان لقاء رمزي بين العاشقين.
بالنهاية، هاد الغزل اللي بيمرّ بالقبر مو "سوداوية" ولا هو "حب للموت"، هو بالواقع أنانية حبيب. السوري بدو يضمن إنو آخر وجه بيشوفو بالدنيا هو وجه حبيبه، وأول إيد بتلمس ترابه هي إيد اللي بيحبه. الموت عنا مو غياب، هو "قفل ومفتاح" على علاقة ما بتنتهي بالوقت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق