القديس سمعان العمودي وديره العظيم
سيرة زهدٍ فريدة تركت من بعدها واحد من أهم المعالم الحضارية في تاريخ سوريا
القديس سمعان العمودي أو سمعان الكبير هو واحد من أعظم رهبان وزهاد المسيحية بالتاريخ، ومن أشهر قديسي سوريا والعالم، عاش بالقرن الخامس الميلادي، وصار رمز للزهد والصبر والتمسك والتضحية، وبيعتبر مؤسس النسك العمودي يعني أول حدا بيعيش حياته فوق عمود عالي معزول عن الدنيا ومتفرغ للعبادة بس.
القديس سمعان العمودي
انولد سمعان تقريبا سنة 389 ميلادي بمنطقة سيسان التابعة لمنطقة قوزان في أضنة التركية، أهله كانوا ناس فلاحين بسطاء، عايشين على الزراعة وتربية المواشي بالمعنى الحرفي، ما كان ابن قصور وأديرة، كان ابن أرض، ابن تعب، من هو وصغير كان مختلف كتير عن بقية الولاد، كان بيتميز انو هادئ وقليل الكلام وبيفكر كتير، وبيحب العزلة وقلبه ميّال للعبادة والتأمل.
بعمر الـ 13 - 15 تقريباً هي لحظة التحول المفصلية بحياته لما سمع وعظة بالكنيسة بتقول: "طوبى للفقراء بالروح، لأنو إلههن ملكوت السماوات"، هالكلمات أثرت فيه وحس إنو طريقه مو بالدنيا، بل بالزهد والتقشف والعبادة.
قرر سمعان يترك أهله والضيعة ويروح يصير راهب. ترك كل شي وراه وانطلق بمشواره على دير قريب من أنطاكية، ومن أول يوم بالدير كان مختلف عن كل الرهبان: صيامه طويل، صلاة لساعات طويلة، سهر الليالي، تقشف شديد، لبس خشن لدرجة إنو زملائه الرهبان نفسهن خافوا عليه، وقالوا: إنو عم يعذب حالو زيادة عن اللزوم، فأحياناً بيصوم أسبوع كامل بلا أكل، وبيضل أيام واقف بلا جلوس، وبسبب شدة تقشفه رئيس الدير قلّو: "يا سمعان طريقك مو متل طريقنا، أنت بدك وحدة أقسى!".
تصوير من القرن السادس لسمعان على عموده صدفة محارة بترمز للنقاء الروحي بتبارك سمعان؛ وأفعة بيمثل الإغراءات الشيطانية (من متحف اللوفر)
طلع سمعان من الدير، وراح ينعزل لوحده بالجبال، راح عاش بالمغاور والكهوف بالبرد وبالشوب بدون أي وسائل راحة. الناس بلّشت تسمع عنو وإنو عم يعمل معجزات بدعاؤه، فصاروا يجوا لعندو مرضى وفقراء ومظلومين، ومنهن ناس بدها نصيحة، وهون حس إنو عم يضيع تركيزه، حتى يبتعد عن الناس ويبقى قريب من الله، اخترع فكرة غريبة كتير بهداك الزمن وهي يطلع يعيش فوق عمود عالي حجري، هون بيكون التحول الأعظم وبالفعل أول عامود طلع عليه كان طوله 3 أمتار بعدها 6 وبعدها 12 وبالاخر وصل ارتفاع العامود لحوالي 18-20 متر.
عاش سمعان فوق منصة صغيرة كتير مكشوفة للشمس والبرد والهوا والمطر حوالي 37 سنة، وهاد الكلام بيذكره الكاتب يوسف قوشاقجي في كتابه (القديس سمعان العمودي) وإنو المنصة بالكاد بتتسع لجسم إنسان واقف، وفي مصادر تانية للمعلومات هي مذكوره عند المؤرخ ثيودوريطس والمخطوطات السريانية.
أغلب أوقات حياته فوق العمود، كان بيصلي وبيصوم لأيام وبيقرأ مزامير وبينحني مئات المرات باليوم (سجود) وكان عنده سلم صغير بيطلعوا عليه التلاميذ وبيعطوه شوية خبز ومي وأكل، وكان يحكي مع الناس من فوق بيعظهن، وبينصحهن، وبيدعي إلهن، وانشهر أكتر بالمنطقة ووصلت لحلب ولأنطاكية وللقسطنطينية (إسطنبول) وحتى لروما، والملوك والأباطرة نفسهن كانوا يبعتولو رسائل ليطلبوا دعائه ومن اشهرهن الامبراطور ثيودوسيوس الثاني كان بيحترمه احترام عظيم (وهالشي موثق بالمصادر البيزنطية ونقلها قوشاقجي بأبحاثه).
صورة لبقايا العمود قبل القصف الروسي عام 2016
سنة 459 ميلادي ،لاحظوا إنو سمعان ماعاد يتحرك، فطلعوا لعندو فلقوه مفارق الحياة وهو بوضعية الصلاة وهالحادثة مذكورة بكتابات ثيودوريطس والمخطوطات السريانية، وصارت الناس تجي على المكان لتقديسه وطلب البركة، فالإمبراطور البيزنطي زينو (zeno) خلى أهل الدولة والمسيحين يبنوا مجتمع ديني كبير على الجبل، فوق المكان اللي كان عمود سمعان واقف عليه، وانبنى دير سمعان بين سنة 476 و490 وكان مشروع ضخم بحجمه، ومهمته:
1- كنيسة مركزية ضخمة على شكل صليب، وكانت أعظم من ناحية المسافة بين كنائس عصرها وحتى بتنافس آيا صوفيا قبل ما تكمل ببعض سنين.
2- حواليها أربع بازيليكات بتمتد من الجوانب الأربعة حوالين ساحة مركزية اللي كانت فيها قاعدة العمود الأصلي لسمعان.
3- جوا الحيطان كان في دير للرهبان وبيوت استقبال للزوار اللي يجوا من الضيع والمدن.
المجمع ما كان مجرد كنيسة، هو كان مدينة صغيرة للعبادة وفيها عناصر دفاعية لأنو عبر التاريخ كان بيتعرض لهجمات.
الفناء الداخلي لدير سمعان
قلعة سمعان والتحصينات عبر الزمن؟
بعد دخول العرب والمسلمين على سوريا، توقف الدير عند كونه مكان للعبادة بس، وبسبب الحروب بالمنطقة بين العرب والبيزنطيين وبسبب موقع الدير الاستراتيجي جنب حلب بنى فيه البيزنطيين تحصينات قوية، ومن هداك الوقت بلش يتحول دير سمعان لقلعة سمعان بسب سوره العالي والتحصينات اللي حواليه اللي متل الحصون العسكرية، وبسبب استخدامه للدفاع عن المنطقة وكنقطة مراقبة لأي حركة جيوش جاية، وبعدها حكام المنطقة متل حكام مدينة حلب او أمراءها ،استغلوه كحصن دفاعي بس بقية قيمته الدينية عند الناس وما توقفت الزيارات عليه.نمط معماري على حيط الدير
أثره على الثقافة والحضارة السورية
اول شي لازم نعرفه، إنو دير سمعان مو مجرد دير صغير، هو واحد من أعظم المشاريع المعمارية الدينية في بلاد الشام من القرن الخامس ميلادي، وكان بمثابة مدينة صغيرة متكاملة فوق جبل حلب فكان رمز ديني وروحاني وصار مركز حج مهم بعد وفاة القديس والناس من كل الشام وقديسين أجانب كانوا يجوا يزوره. كان أثر حضاري ومعماري من خلال تصميم ساعد على تطوير العمارة في بلاد الشام، بالأخص الكنائس الكبيرة يلي انبنت بعده، وكان ملهم للعرب المسلمين في العمارة الدفاعية، بالإضافة أنو كان الو أثر علمي وثقافي بعد ما صار مركز تدوين وتوثيق الحياة الدينية والرهبانية.حالة الدير اليوم
خلال الثورة السورية ضد نظام الأسد، وفي 2016 بأيار تعرض الموقع اللي هو ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو لأضرار كبيرة بسبب الغارات اللي نفذتها الطيارات الروسية وأصابت القسم الرئيسي من الموقع، خصوصا بقايا الكنيسة والأعمدة الي كانت باقي من العمود الحجري الشهير للقديس، وسببت دمار بالجدران والأعمدة الأثرية اللي عمرها أكتر من 1500 سنة، حسب تقارير المراقبين بالرغم انو المكان ما كان فيه أي نشاط عسكري بوقتها.اليونسكو أدانت القصف، ووصفت الأضرار بأنها كبيرة وخطيرة على التراث العالمي لدرجة أنو بعض الأعمدة اللي كانت بتمثل جزء أصيل من موقع القديس سمعان تدمرت أو سقطت.
صورة لدير سمعان قبل القصف الروسي








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق