اللامركزية المنفلتة في سوريا الجديدة
كيف تحوّلت اللامركزية في سوريا لفوضى تشريعية تهدّد وحدة الدولة وسيادة القانون
من خلال مراقبة الوضع السوري من التحرير وحتى اليوم، واضح إنو الدولة الجديدة عم تظهر بوجهين مختلفين. وجه منفتح وحديث، أقرب للفكر الليبرالي، موجه للنخب السياسية والثقافية وللخارج الدولي. هاد الوجه بيتعاطى بلغة دولة قانون، بيحكي عن المساواة، وبيعطي أمل حقيقي لكتير من السوريين إنو في مشروع دولة مدنية قادمة.
وبالمقابل، عم نشوف وجه تاني، وجه أقل إشراق، محافظ جداً لدرجة التشدد، موجَّه للحاضنة الشعبية الي خرجت منها السلطة. هاد الوجه ما بيطلع على الإعلام كتير، بس بيظهر كل فترة على شكل قرارات اعطيباتية متل قرار محافظ اللاذقية حول منع المكياج، وقرار رئيس بلدية سوق وادي بردى حول منع الحفلات المختلطة.
هالقرارات، مهما حاول البعض يبررها بثقافة المجتمع المحلي، عم تكشف نمط خطير: سلطات تنفيذية عم تاخد مكان المشرّع وتفرض أيديولوجية معينة على باقي المكونات.
المعيار القانوني بكل بساطة بيقول إنو أي قرار بيتدخل بحياة المواطن، أو بيمسّ حريته، أو بيفرض عليه قواعد اجتماعية جديدة، لازم يكون نابع من جهة تشريعية، مو من جهة تنفيذية. والتشريع ما بيطلع لا من المحافظ ولا من رئيس البلدية، لأنو هاد اختصاص حصري لجهات منتخبة أو مخوّلة تشريعياً، سواء كانت مجالس محلية أو مجالس محافظة أو البرلمان. أما أي قرار إداري بيتجاوز هالإطار وبيفرض أنماط سلوك أو عادات اجتماعية بشكل مباشر، فهو تجاوز صريح للصلاحيات وانحراف عن الدور الحقيقي للسلطة التنفيذية، مهما حاول البعض يعطيه مبررات اجتماعية أو ثقافية.
فمتل ما شفنا باللادقية وريف دمشق وبحماة، ممكن بالمستقبل شي منطقة تانية نشوف إنو من حقها تمنع نشاطات أو تسمح فيها وفق أعرافها الخاصة. وهون الصورة ما بتوقف عند قرارات محلية صغيرة، لأنو المشهد عم يكبر ويتعقّد أكتر مع دخول ملفات أكبر على الخط.
فبعد الاتفاق الأخير بين الدولة وقوات سوريا الديمقراطية، صرنا عم نشوف انو هاللامركزية العشوائية عم تتوسع. وهاد الشي نتيجة حتمية لعدم وجود إطار دستوري واضح بينظّم شكل الإدارة المحلية، ولا قانون بيحدد حدود الصلاحيات. هاد الواقع عم ينفرض بقوة السلاح. سلطات محلية عم تتوسع بصلاحياتها على الأرض، بغياب مؤسسة تشريعية وطنية تقدر تضبط هالتفاوت وتحط خطوط واضحة بين صلاحيات المركز وصلاحيات المناطق.
يعني بدل ما تكون اللامركزية خيار إصلاحي واضح بقلب بناء الدولة السورية الجديدة، صارت عم تتشكل من تحت لتحت، بشكل تلقائي، بسبب الحالة الفصائلية بعد الحرب وتقاسم الفصائل المختلفة من كل الأطراف مناطق النفوذ. كل منطقة عم ترسم نموذجها الخاص على مزاجها. وإذا تركنا الأمور تمشي بهالاتجاه، رح نوصل لمرحلة بتصير فيها سوريا عبارة عن عشرات الدويلات المتناقضة، وهيك حالة بحياتها ما ممكن تبني دولة.
الفكرة الأساسية هون إنو التسلسل القانوني لازم يضل ثابت، لأنو القانون هو المرجعية العليا، وهو اللي بيحدد الحدود بين الصلاحيات. ما بصير قرار إداري يصير أعلى من القانون، ولا بصير لجهة تنفيذية إنها تمسّ حرية المواطنين أو تفرض عليهن قواعد جديدة من دون وجود نص تشريعي واضح وصريح بيسمح بهالشي. وأي تجاوز لهالحدود ما بيكون خطأ إداري عابر، بل مخالفة دستورية بتمس بنية الدولة وطبيعة النظام القانوني ككل.
لهيك، حتى لو كانت اللامركزية هي خيار مستقبلي، فهي لازم تكون لامركزية مبنية على مؤسسات تشريعية محلية، مو على اجتهادات فردية لمسؤولين تنفيذين.
القصة مو قصة مكياج ولا رقص ولا اختلاط. هي كلها تفاصيل سطحية قدّام الخطر الحقيقي الي هو مو بمضمون القرار، ولكن بالطريقة اللي عم يطلع فيها.
هاد الكلام مو رفض للدين، ولا إنكار لخصوصية المجتمع السوري كمجتمع محافظ، بس سوريا بلد متنوع، وفيها مجتمعات منفتحة وفيها مجتمعات محافظة ومتلزمة دينيا، وكل منطقة إلها حساسيتها وثقافتها. بس تنظيم هالتنوع لازم يصير عبر مؤسسات تشريعية وقانون واضح، مو عبر قرارات فردية عم تنعمل من خارج إطار القانون، لأنو هيك قرارات، حتى لو "بتشبهنا"، بتفتح باب فوضى تشريعية ما حدا بيقدر يسكره بعدين.
اللامركزية إذا كانت خيارنا، ما بتنبني بالفوضى، ولا بسلطات تنفيذية عم تتجاوز حدودها، بل بتنبني على مؤسسات محلية منتخبة بتملك الشرعية، وبتسنّ قوانين واضحة بترتبط بإرادة الناس وبالإطار الدستوري العام. غير هيك، أي لامركزية تانية ما بتبني دولة ولا بتحمي التنوع… بل بتفتح باب الفوضى وبتضرب وحدة سوريا من أساسها.
وبالمقابل، عم نشوف وجه تاني، وجه أقل إشراق، محافظ جداً لدرجة التشدد، موجَّه للحاضنة الشعبية الي خرجت منها السلطة. هاد الوجه ما بيطلع على الإعلام كتير، بس بيظهر كل فترة على شكل قرارات اعطيباتية متل قرار محافظ اللاذقية حول منع المكياج، وقرار رئيس بلدية سوق وادي بردى حول منع الحفلات المختلطة.
هالقرارات، مهما حاول البعض يبررها بثقافة المجتمع المحلي، عم تكشف نمط خطير: سلطات تنفيذية عم تاخد مكان المشرّع وتفرض أيديولوجية معينة على باقي المكونات.
المشكلة الجوهرية: قرارات بتتجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية
السلطات المحلية، سواء كان المحافظ أو رئيس البلدية، دورها بطبيعة الحال بينحصر بتنفيذ القوانين والأنظمة الصادرة عن الدولة المركزية أو عن الجهات التشريعية المختصة. هاد الدور تنفيذي بحت، مالو علاقة بالتشريع، ولا بصياغة قواعد جديدة بتنظم سلوك المواطنين أو تفرض عليهم أنماط حياة معينة. لهيك، لما محافظ يقرر منع المكياج مثلاً، فهو ما عم ينظّم سير الشغل، بل عملياً عم يتدخل بحرية شخصية ويفرض نمط حياة على الموظفة من خارج أي إطار قانوني. ونفس الشي تماماً لما بلدية بتمنع الحفلات المختلطة بحجة الضجيج أو "الآداب العامة"، فهي ما عم تعالج مشكلة صوت أو فوضى، بل عم تمنع نمط اجتماعي كامل وبتفرض أيديولوجيا معينة من دون أي أساس تشريعي بيسمح إلها تتدخل بهالدرجة.المعيار القانوني بكل بساطة بيقول إنو أي قرار بيتدخل بحياة المواطن، أو بيمسّ حريته، أو بيفرض عليه قواعد اجتماعية جديدة، لازم يكون نابع من جهة تشريعية، مو من جهة تنفيذية. والتشريع ما بيطلع لا من المحافظ ولا من رئيس البلدية، لأنو هاد اختصاص حصري لجهات منتخبة أو مخوّلة تشريعياً، سواء كانت مجالس محلية أو مجالس محافظة أو البرلمان. أما أي قرار إداري بيتجاوز هالإطار وبيفرض أنماط سلوك أو عادات اجتماعية بشكل مباشر، فهو تجاوز صريح للصلاحيات وانحراف عن الدور الحقيقي للسلطة التنفيذية، مهما حاول البعض يعطيه مبررات اجتماعية أو ثقافية.
اللامركزية العشوائية
سوريا الجديدة ماشية اليوم بخط واضح نحو نوع من اللامركزية، بس مو اللامركزية الإدارية الحديثة اللي بتقوم على مؤسسات وقوانين واضحة، بل شكل من اللامركزية العشوائية اللي عم تتكوّن تلقائياً بسبب ضعف مؤسسات الدولة وعدم وجود سلطة تشريعية لهلق. وهاد عم يخلي كل محافظة وكل بلدية تتصرف وكأنها صاحبة قرار مستقل، من دون الرجوع لمسار قانوني أو تشريعي واضح، وكأنو كل جهة إدارية عم ترسم لحالها نظامها الخاص.فمتل ما شفنا باللادقية وريف دمشق وبحماة، ممكن بالمستقبل شي منطقة تانية نشوف إنو من حقها تمنع نشاطات أو تسمح فيها وفق أعرافها الخاصة. وهون الصورة ما بتوقف عند قرارات محلية صغيرة، لأنو المشهد عم يكبر ويتعقّد أكتر مع دخول ملفات أكبر على الخط.
فبعد الاتفاق الأخير بين الدولة وقوات سوريا الديمقراطية، صرنا عم نشوف انو هاللامركزية العشوائية عم تتوسع. وهاد الشي نتيجة حتمية لعدم وجود إطار دستوري واضح بينظّم شكل الإدارة المحلية، ولا قانون بيحدد حدود الصلاحيات. هاد الواقع عم ينفرض بقوة السلاح. سلطات محلية عم تتوسع بصلاحياتها على الأرض، بغياب مؤسسة تشريعية وطنية تقدر تضبط هالتفاوت وتحط خطوط واضحة بين صلاحيات المركز وصلاحيات المناطق.
يعني بدل ما تكون اللامركزية خيار إصلاحي واضح بقلب بناء الدولة السورية الجديدة، صارت عم تتشكل من تحت لتحت، بشكل تلقائي، بسبب الحالة الفصائلية بعد الحرب وتقاسم الفصائل المختلفة من كل الأطراف مناطق النفوذ. كل منطقة عم ترسم نموذجها الخاص على مزاجها. وإذا تركنا الأمور تمشي بهالاتجاه، رح نوصل لمرحلة بتصير فيها سوريا عبارة عن عشرات الدويلات المتناقضة، وهيك حالة بحياتها ما ممكن تبني دولة.
كيف لازم تكون آلية اتخاذ القرار؟
حتى بمجتمع محافظ، وحتى لو كنا فعلاً متجهين نحو بنية لامركزية، طريقة اتخاذ القرار لازم تضل واضحة، وما بيصير فيها أي خلط بين السلطات. اللامركزية ما بتعني إنو المحافظ أو رئيس البلدية بيصير عنده حق يسن قوانين جديدة من تلقاء نفسه، لأنو هي وظيفة السلطة التشريعية المحلية، سواء كانت مجلس محافظة منتخب أو مجلس بلدي منتخب، هي الجهة اللي من حقها تسن قوانين محلية تتناسب مع خصوصية كل منطقة. وحتى بهي الحالة لازم هي القوانين ما تخالف الدستور ولا تتجاوز صلاحيات المركز. أما المحافظ أو البلدية فدورهن بيبقى تنفيذ هالقوانين ومراقبة تطبيقها وضمان احترامها، مو إنتاج تشريعات خاصة فيهن.الفكرة الأساسية هون إنو التسلسل القانوني لازم يضل ثابت، لأنو القانون هو المرجعية العليا، وهو اللي بيحدد الحدود بين الصلاحيات. ما بصير قرار إداري يصير أعلى من القانون، ولا بصير لجهة تنفيذية إنها تمسّ حرية المواطنين أو تفرض عليهن قواعد جديدة من دون وجود نص تشريعي واضح وصريح بيسمح بهالشي. وأي تجاوز لهالحدود ما بيكون خطأ إداري عابر، بل مخالفة دستورية بتمس بنية الدولة وطبيعة النظام القانوني ككل.
لهيك، حتى لو كانت اللامركزية هي خيار مستقبلي، فهي لازم تكون لامركزية مبنية على مؤسسات تشريعية محلية، مو على اجتهادات فردية لمسؤولين تنفيذين.
القصة مو قصة مكياج ولا رقص ولا اختلاط. هي كلها تفاصيل سطحية قدّام الخطر الحقيقي الي هو مو بمضمون القرار، ولكن بالطريقة اللي عم يطلع فيها.
هاد الكلام مو رفض للدين، ولا إنكار لخصوصية المجتمع السوري كمجتمع محافظ، بس سوريا بلد متنوع، وفيها مجتمعات منفتحة وفيها مجتمعات محافظة ومتلزمة دينيا، وكل منطقة إلها حساسيتها وثقافتها. بس تنظيم هالتنوع لازم يصير عبر مؤسسات تشريعية وقانون واضح، مو عبر قرارات فردية عم تنعمل من خارج إطار القانون، لأنو هيك قرارات، حتى لو "بتشبهنا"، بتفتح باب فوضى تشريعية ما حدا بيقدر يسكره بعدين.
اللامركزية إذا كانت خيارنا، ما بتنبني بالفوضى، ولا بسلطات تنفيذية عم تتجاوز حدودها، بل بتنبني على مؤسسات محلية منتخبة بتملك الشرعية، وبتسنّ قوانين واضحة بترتبط بإرادة الناس وبالإطار الدستوري العام. غير هيك، أي لامركزية تانية ما بتبني دولة ولا بتحمي التنوع… بل بتفتح باب الفوضى وبتضرب وحدة سوريا من أساسها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق