السويداء جرح الوطن المفتوح

السويداء التي كانت رمز وحدة سوريا لعقود كيف دُفعت نحو مشاريع الانفصال؟



من المؤسف اليوم، والمؤلم فعلاً، إنو نشوف المحافظة اللي انطلقت منها الثورة السورية الكبرى، ومسقط رأس قائدها سلطان باشا الأطرش، واقفة على مفترق طرق خطير، وتطلع فيها أصوات عم تنادي بالانفصال والاستقلال عن الوطن الأم سوريا.

السويداء، اللي عبر تاريخها قدّمت نموذج يحتذى فيه بالوطنية والانتماء، ما كانت يوم من الايام هامش بالمعادلة السورية. هالمحافظة دفعت أثمان كبيرة دفاعًا عن استقلال سوريا ووحدتها، وكانت دايمًا بقلب أي حراك وطني، من مواجهة الاستعمار الفرنسي، وصولًا لمشاركة أبنائها بكل التحولات الوطنية الكبرى.

السويداء اللي رفعت شعار "الدين لله والوطن للجميع" ما عرفت الطائفية ولا عقدة الاقلية بحياتها، وكانت تشوف حالها جزء أصيل من سوريا، ومتمسكة بوحدتها مهما اشتدت الظروف.

ومن هون، السؤال الطبيعي اليوم: كيف وصلنا لهون؟ كيف وصلت السويداء، بكل رمزيتها الوطنية، لمرحلة منشوف فيها علم الاحتلال الإسرائيلي مرفوع بقلب ساحة الكرامة؟ الساحة نفسها اللي انطلقت منها هتافات لسوريا بكل مكوناتها. كيف وصلنا لنسمع أصوات عم تشكر قاتل الأطفال بنيامين نتنياهو، وكأنو المحافظة اللي وقفت بكل بسالة ضد الاحتلال الفرنسي صارت فجأة واجهة لأجندات خارجية وعم تطالب بالانفصال وحق تحقيق المصير؟

السويداء: من الثورة السورية حتى السقوط

لحتى نجاوب على هالسؤال، لازم نرجع لورا، لبدايات الثورة سنة 2011. السويداء كان موقفها رافض للقمع، ودعمت مطالب الحرية، وساندت الاحتجاجات الشعبية بدرعا وبمختلف المحافظات السورية التانية، بس من دون صدام مباشر مع النظام. ومع الوقت، صار هالموقف خطر على النظام، لأنو السويداء ما شاركت بحربه ضد السوريين، ورفضت تتحول لخزان بشري لجيشو. هالرفض خلّى النظام يفكّر بطريقة مختلفة تمامًا عن باقي المحافظات.

وبما إنو ما كان قادر يقمعها بشكل مباشر، مشان ما تسقط كذبة حماية الأقليات، لجأ لخطة أقذر والي هي تفكيك السويداء من الداخل.

النظام عمل ميليشيات محلية وفتح المجال للعصابات بغطاء أمني من رئيس المخابرات العسكرية بالسويداء بهداك الوقت وفيق ناصر. ومع الوقت، تحولت المحافظة لساحة فوضى مقصودة، فوضى هدفها إنهاك المجتمع، كسر إرادتو، ومنع تشكّل أي موقف جماعي وطني.

بس ظهور شخصيات وطنية متل الشيخ وحيد البلعوس، اللي حاول سنة 2015 يواجه تمدد النفوذ الأمني والعصابات، ويدافع عن كرامة المجتمع، كان خطر على مشاريع النظام بالمحافظة. لهيك لجئ النظام لاغتيال البلعوس وهاد الشي كان رسالة واضحة ومبكرة من النظام: أي مشروع مستقل وطني داخل السويداء رح يتم تصفيتو.

بعد اغتيال الشيخ وحيد البلعوس، توسعت الفوضى أكتر. أسماء متل مرعي الرمثان، نواف البيدر، وراجي فلحوط تصدرت المشهد بالمحافظة، ونشرت الخوف و الفوضى. هالشبكات، وخاصة المرتبطة بتجارة الكبتاغون، حوّلت المحافظة الهادية والمسالمة لعقدة تهريب، ودخلت المجتمع بدوامة سلاح ومخدرات وخطف وسلب.

وبوقت كانت حركة رجال الكرامة عم تحاول تمنع الاقتتال الداخلي وتحافظ على الطابع الوطني للمحافظة، كانت الفوضى عم تتوسع يوم بعد يوم.

سقوط النظام: الفراغ و الفوضى

لما سقط النظام رسميًا، كانت السويداء صرلها سنة عايشة بنوع من الإدارة الذاتية بعد انتفاضة الكرامة بالـ 2023. بس سقوط النظام خلق نوع من الفراغ خلّى المحافظة مكشوفة بالكامل قدّام التدخلات الخارجية، وسمح لبقاية ميليشيات المخدرات والخطف والاجرام الي عملها النظام ترجع تعمل إعادة تدوير لنفسها. وهون بالضبط دخلت إسرائيل وقسد على الخط، كل واحد بطريقته، ليحوّلوا جرح السويداء المفتوح لورقة بمشروع قديم جديد لتفكيك الامة السورية.

تحقيق للواشنطن بوست، كشفوا كيف استغلت إسرائيل لحظة سقوط النظام وفراغ السلطة لتأسيس ما سُمّي بـ«المجلس العسكري» بالسويداء. التقرير تناول كيف إسرائيل بالتعاون مع قسد دعمت ماديا ميليشيات محلية بالسويداء ومدتهن بشحنات سلاح، ومعدات عبر مروحيات كانت تنزل بالمحافظة كل فترة. الهدف كان خلق قوة موازية للسلطة الجديدة، والضغط عليها من الخاصرة الجنوبية. مسؤولين إسرائيليين سابقين وحالين ما خجلوا ولا مرة عن التعبير العلني عن استيائهن من دعم أمريكا لوحدة سوريا، وكيف إنو سوريا مقسمة أفضل لأمن إسرائيل.

من مجازر الساحل الى مجازر السويداء

كانت مجازر الساحل بآذار 2025، اللي استهدفت بشكل أساسي مدنيين علويين، واحدة من أبشع حلقات العنف الطائفي من وقت سقوط النظام. المجازر الي بلشت بمحاولة انقلابية من فلول النظام البائد وأدت لاستشهاد العشرات من عناصر القوى الأمنية، خلال ساعات تحولت لحملة انتقامية دموية مفتوحة تجاه أهل الساحل كلهن. أكتر من 1500 شهيد معظمهن من المدنيين العلويين تم استهدافهن عأساس طائفي بحت من قبل فصائل منفلتة تابعة للسلطة، وفزعات شعبية من مدنيين مسلحين. فيديوهات الانتهاكات الصادمة عبت السوشل ميديا لأنو المرتكبين كانوا عم يتفاخروا بإجرامهن. هالاحداث تحولت بشكل سريع لوقود لحملات تحريض إعلامية متبادلة على الشاشات والسوشال ميديا.

واستثمار وجع وآلام الناس الي لسى ما قدرت تدفن ولادها وأهلها لشيطنة مكونات سورية كاملة، وبث خطاب تخوين وتقسيمي، عبر جيوش إلكترونية وصفحات ممولة، إن كان لصالح هاد الطرف أو ذاك، وهاد الشي عمّق الشرخ بين مكونات المجتمع، وطبعا بين السويداء والسلطة الانتقالية.

بعد كم شهر بهالمناخ المشحون، صارت مناوشات بين ميليشيات من البدو وميليشيات من داخل السويداء، وانفجر الوضع لينتهي بمجازر تموز الي راح ضحيتها مئات الشهداء وآلاف المهجّرين خلال أيام قرى كاملة تم حرقها وشفنا فيديوهات لإجرام بحق أهلنا بالسويداء بشي مشابه للي صار بالساحل. مرة تانية السلطة ما قدرت تضبط عناصرها وتطلع من الحالة الفصائلية وعقلية الفزعات الشعبية.


بهالفوضى، دخلت إسرائيل لتستغل الدم والانقسام، وتسوّق حالها كـ"حامي الأقليات" لتمشي مشروعها لتقسيم سوريا. القصف الإسرائيلي على وزارة الدفاع بدمشق كان تهديد مباشر بسحب القوات الحكومية من الجنوب، وهو فعليًا اللي صار.

وبعد الانسحاب، بلشت حملة انتقامية قاسية ضد البدو العرب من ميليشيات محلية انفصالية قامت بتهجير جماعي، قتل على الهوية، ونساء وأطفال بين الضحايا. من 90 ل 120 ألف نازح بأقل من أسبوعين.

وهيك تحوّلت السويداء من محافظة عم تحاول تحمي حالها، لساحة لتمرير مشاريع سياسية وإنفصالية على حساب دم آلالاف الشهداء والنازحين.

استثمار فشل السلطة كوقود للمشروع الانفصالي

بعد مجازر تموز، كان المطلوب من السلطة الانتقالية تعترف بالوقائع بوضوح، وتفتح مسار محاسبة شفاف وحقيقي لكل المتورطين. لكن هالشي ما صار. بدل الاعتراف، دخلت السلطة بحالة إنكار وتبرير، وتعاملت مع الأحداث كأنها خطأ وبصير نتيجة فخ كان منصوب للسلطة، الشي اللي دمّر الثقة ومنع امتصاص الغضب. اللحظة كانت فرصة لتأسيس عدالة، بس غياب المحاسبة والشفافية وتفشي العقلية الفصائلية، بيّن إنو السلطة لساتها بعيدة عن مفهوم الدولة.

وبالتوازي، لعب الإعلام المحسوب على السلطة دور سلبي كبير، وعمق الشرخ الاجتماعي. كتير إعلاميين ونخب محسوبين عالسلطة انخرطوا بخطاب تخوين وتحريض ضد أهالي السويداء والدروز، وقدّموا المحافظة كعدو، وهاد زاد الشرخ ورفع مستوى الاحتقان. هالتجييش فتح الباب لأصوات منحرفة تستثمر الجرح والاحتقان.

بهالبيئة، برز دور حكمت الهجري، اللي ربطته تقارير كتيرة بخط سياسي مدفوع إسرائيليًا، واستغل اللحظة لرفع شعار حق تقرير المصير. ونتيجة التجيش من الجهة التانية وعدم التعاطف مع الضحايا وآلام أهلهن، صار في إلتفاف شعبي حول هاد المشروع. هالتصعيد تم استثماره لاحقًا بالدفع لتشكيل قوات الحرس الوطني، وإعادة تدوير كتير من فلول مليشيات النظام السابق بشكل او بآخر، وبدل ما يحل الأزمة، عمّق الانقسام.

لا حل الا تحت سقف الوطن

اليوم، بعد ستة أشهر على مجازر السويداء، وبعد انتهاء العملية العسكرية بشمال شرق سوريا الي اثبتت السلطة فيها انو طلعت من الحالة الفصائلية وعقلية الفزعات وعم تمشي بعقلية الدولة، وبعد توقيع قسد اتفاق الاندماج مع السلطة الحاكمة، عم ينطرح السؤال: شو مصير السويداء؟ ولإيمت بدو يضل هالجرح مفتوح؟

كتير مراقبين عم يقولوا أنو مع إنهاء ملف قسد، انتهى عمليًا حلم الأقاليم والانفصال بسوريا، وهالشي بينطبق على السويداء، لأنو فكرة الانفصال أساسًا ما كانت واقعية.

بس السؤال هون هو شو الحل؟

الحل، متل ما كان دايمًا، هو الحوار. السلطة اليوم مطالبة تسكّر باب التحريض والكراهية والتخوين، وتسن قوانين واضحة تجرّم هالخطاب بأشد العقوبات، لأنو صار تهديد مباشر لوحدة سوريا أرضًا وشعبًا.

الجبل ما كان بيوم من الايام انفصالي، وكل عمره حصن سوريا وسدها المنيع بوجه كل المشاريع الانفصالية، الجبل هو نبع الوطنية وما حدا بيزاود عليه بالوطنية، بس سوء إدارة الملف من السلطة هو اللي عطى فرصة لهالنشاز الإنفصالي يستغل الوضع.

اليوم المطلوب الانطلاق بمحاسبة حقيقية شفافة لكل من شارك بسفك دم المدنيين من كل الأطراف ومدّ جسور حوار حقيقية بين المجتمع المدني بالسويداء وباقي المجتمع السوري.

هيك بس منسكر هالجرح، ومنحافظ ع وحدة سوريا بالفعل، مو بالشعارات.

الحل العسكري ممكن يوحد سوريا جغرافيا، بس الوطن ما بس أرض، الوطن هو أرض وشعب. حتى لو توحدت الأرض بقوة السلاح، مافي شي بالعالم بيقدر يوحد الشعب غير الحوار والمشاركة والاعتراف بالوجود.

المصادر:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق