الساحل السوري بين جمر الطائفية ورماد الاستبداد
كيف حوّل نظام الأسد الساحل السوري إلى حقل ألغام طائفي؟
اللي عم يصير بالساحل مؤلم ومحزن لدرجة كبيرة، خاصة إنو الساحل كان ولازم يضل رمز للتنوع والتعايش بسوريا، بمنطقة عاشت فيها كل الطوائف والأعراق بتناغم لقرون. السؤال الحقيقي: ليش عم يصير هيك اليوم؟ من وين إجا كل هالحقد والاحتقان الطائفي؟
حتى نفهم هالملف صح، ما فينا نختصرو بآخر كم شهر بعد سقوط الأسد، ولا نجزّئو. لازم نرجع لبداية الثورة السورية. النظام الأسدي، من أيام الأسد الأب، كان دايماً شايف الأقليات السورية عموماً، والعلويين خصوصاً، كحطب وبيادق لتثبيت حكمو. استعمل شعارات متل "العلمانية" و"الحرب على الإرهاب" و"مواجهة الإخوان المسلمين" ليسوّق سردية إنو هو الحصن المنيع ضد الإسلاميين وحامي الأقليات، وحكينا عن هالشي بمقال سابق بعنوان: العلمنجية: الوجه السلطوي للعلمانية المشوهة.
مو بس هيك. الأسد الأب كان يمنع الاستثمارات عن الساحل السوري، وخاصة بالمناطق ذات الغالبية العلوية. ما كان في مشاريع تنموية حقيقية، لا بالزراعة ولا بالصناعة، غير مشاريع شكلية وخلبية. هالسياسة ما كانت عبثية أبدًا، لأنها كانت استراتيجية تفقير متعمّدة، هدفها ما تترك أي خيار قدام الشاب العلوي غير طريقين: يا التوظيف عند الدولة والخدمة العسكرية، يا الفقر. ولهاد السبب نسبة كبيرة من العلويين كانوا بالمؤسسة الأمنية والعسكرية بالنظام السابق مو حبًّا بالنظام، بل هروباً من الفقر.
طبعاً هاد ما بيبرّر أبداً الجرائم يلي ارتكبها عدد كبير من الضباط والعناصر يلي استغلوا مناصبهن وظلموا الناس. بس بنفس الوقت، هاد الإجرام ما كان حكر على طائفة بعينها. المجرمين وضعاف النفوس كانوا ومازالوا من كل الطوائف.
مع بداية الثورة السورية، أعاد نظام الأسد الابن استخدام نفس السردية، لكن بشكل دموي أكتر. أطلق سراح عدد كبير من المتهمين بالإرهاب وحاملي الفكر الجهادي من السجون، عبر مراسيم عفو ما شملت ولا مرة معتقلي رأي سياسيين، بل شملت مجرمين وجهاديين. أغلبهن، أول ما طلعوا، حملوا السلاح وأسّسوا فصائل جهادية، وتم تسويقهن إعلامياً على إنهن "الثورة" و"الثوار"، ليترسخ بخيال الناس إنو الثورة ما قامت ضد الظلم، بل لإبادة الأقليات.
بهالوقت نفسو، كان الإجرام البعثي الأسدي بالمناطق ذات الطابع السني بيفوق الخيال، وهاد خلق حقد وكراهية مو بس تجاه النظام، بل كمان تجاه الحاضنة الشعبية يلي صدّقت بروباغندتو. الساحل، كونو عرين الأسد، انقمع بقسوة من أول الثورة بمناطق متل بانياس واللاذقية، وتم تسويق هالقمع الوحشي على إنو قمع "للإرهابيين والجهاديين". من وقتها، عاش المكوّن السني بالساحل بحالة تشبه التقية، مكبوت، ناطر لحظة الانفجار… واللي إجت للأسف بعد سقوط النظام.
بعد سقوط النظام، كان العلويين متلهن متل باقي السوريين: مصدومين. مع إنو بآخر سنين، كتير منهن كانوا كارهين النظام والخدمة بالجيش، بس كانوا شايفينه الشر الأقل، والسد الأخير بوجه الإرهاب. سقوطو، بالنسبة إلهن، كان يعني احتمال إبادة الطائفة ونهاية الوطن لهيك قبل السقوط بأيام، كان الخوف مسيطر.
بس بعد السقوط، أخلاق عالية من الثوار والهيئة خلّت كتير من العلويين يرتاحوا ويفرحوا، ودفعت كتير ناس لتسليم سلاحها بشكل طوعي ومن دون مقاومة بس للأسف هالمرحلة ما طالت. أحداث آذار الأسود والمجازر اللي صارت أعادت استحضار كل البروباغندا الأسدية القديمة، وسمحت لأذناب النظام البائد يرجعوا للواجهة كـ"مدافعين عن الطائفة".
الضخ الإعلامي الهائل، والأخبار الكاذبة، من جميع الأطراف ساعدت بتشويه الواقع وتضخيم المآسي، ووسّعت الشرخ بين المكونات السورية. ولزيادة الطين بلّة، عدد كبير من منصات وأبواق سلطة دمشق ومطبّليها، بخطابهن الطائفي والتحريضي، عم يساعدوا أذناب النظام السابق إنهن يجرّوا الأقليات والمكونات السورية بشكل عام للاصطفاف الطائفي، والالتفاف حول مشايخ الدين والمصالح الضيقة، بدل الهوية الوطنية الجامعة.
طريقة السلطة الحالية بالتعامل مع هالملفات الحساسة للأسف عم تزيد الطين بلّة. ما عم نشوف غير شعارات فارغة وكلام جرايد بلا أي أثر حقيقي عالأرض. بالمقابل، عم نشوف تصاعد بالتحريض والخطاب الطائفي من كل الجهات، عم يكب زيت عالنار، وعم يخلي كل طائفة تلتف حول شيخها، وهاد تماماً اللي عم يصير بالساحل اليوم.
اليوم الغالبية الساحقة من العلويين هنن ولاد دولة وولاد وطن، ومن أكتر المكونات وطنية بسوريا، بس الخطاب التخويني والتحريضي ضدهن عم يجرّ الطائفة، غصبًا عنها، للاصطفاف خلف شخصيات متل غزال غزال، وعم يخطفها مرة جديدة لمشروع تقسيمي ما إلها فيه لا ناقة ولا جمل.
ومتل ما قال الصحفي السوري إياد شربجي مرة:
"لا وطن تحت سكين شريك الوطن".
اليوم، المطلوب من الدولة توقف تغاضيها عن الخطاب التحريضي والتخويني، وتفعل قوانين تجرم هاد الخطاب وتعاقب المحرضين بأشد العقوبات، لأنو هنن أكبر خطر على وحدة بلادنا وشعبنا. وتبلّش بحوار وطني جامع وحقيقي، يضم كل مكونات الشعب. مو منّة من الدولة، ولا كرم أخلاق، بل واجب وحق لكل سوري يكون شريك ببناء وطنو. واحتكار هالحق من مكون واحد أو لون واحد، شي غير مقبول نهائياً، ورح يأدي بالضرورة لتزايد الاسطفافات الطائفية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق