من نصَّب نفسه وصيّاّ على السوريات؟
الوصاية على السوريات باسم الدين: تهديدٌ وتكفير
بالآونة الأخيرة صار في بسوريا منشورات وملصقات عالحيطان بالمرافق العامة بتتدخل بلباس النساء وحركتهن وشغلهن، وبتستخدم لغة قائمة على التهديد والتشهير، وأحياناً بتوصل لحدّ التكفير. يمكن تبين هالعبارات، بظاهرها، مجرد كلمات عابرة على حيط أو منشور متداول على الإنترنت، بس بالحقيقة هي جزء من ظاهرة أوسع، أساسها فرض الوصاية على المجتمع ومحاولة احتكار تعريف الأخلاق العامة والتديّن.
المشكلة مو باختيار الشخص نمط ديني معيّن لحياته؛ هاد حق مكفول بكل المواثيق الدولية ونوع من الحرية الشخصية يلي ما حدى بيقدر يلغيها. المشكلة بتبلش لما بيتحوّل هالاختيار لوسيلة لفرض نموذج واحد على الكل، أو لما تحكي جماعات وأفراد باسم الله حتى تراقب الناس وتصنّفهن وتحكم على إيمانهن وأخلاقهن. وقتها ما عاد الموضوع متعلق بالتديّن الشخصي، بل باستخدام الدين كأداة للسيطرة على المجتمع والفضاء العام.
المنشورات اللي عم ترسم قوالب جاهزة ومفصّلة لمظهر المرأة وبتحدد شو مسموح، ووين لازم تشتغل وفق الذوق العام مالها مجرد رأي شخصي، لما بتكون موجّهة لكل النساء وبأسلوب تهديد أو تخويف، هي حملات فرز وقمع وكأنو عقول وأجساد السوريات صارت ملك إلهن. والنصيحة الدينية، إذا كانت صادقة، ما بتحتاج للإهانة، والدعوة ما بتقوم على الإكراه. الفرق كبير بين إنسان بيختار قناعته لنفسه، وبين جماعة بدها تفرض قناعتها على المجتمع كلو.
ومن هون، لازم نميّز بين احترام حق الناس بالتديّن وبين قبول تحويل الدين لسلطة اجتماعية بتراقب الملابس والأفكار والعلاقات، أو بتفرض على الناس نموذج واحد للحياة.
ومن المفارقات إنو الخطاب المتشدد بيتجاهل شغل النساء بالحقول وتربية المواشي والأسواق، بينما بيعترض على شغلهن بالجامعة أو المؤسسات أو المجال الثقافي والفني والعلمي. يعني المرأة مقبولة لما يكون عملها ضرورة للعيلة، ومدانة لما بيصير تعبير عن اختيارها واستقلالها.
الموقف القرآني واضح من البداية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ البقرة: 256. والقرآن بيحدد مهمة الرسول بالتذكير، مو بالسيطرة على الناس: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ الغاشية: 21–22. وبيسأل كمان: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99).
فإذا كان الإيمان ما بينفرض، والحكم على الضمائر مو من حق البشر، فمن وين بيجي حق أي جماعة بتكفير الناس أو التشهير فيهن؟
لهيك ما حدا إلو الحق يحوّل التديّن لشرطة اجتماعية تراقب الناس بلباسهن وأفكارهن وعلاقاتهن، أو تفرض عليهن طريقة وحدة بالحياة. الاعتقاد اللي بيطلع من الخوف ما بيكون تعبير عن حرية الإنسان ولا عن مسؤوليته.
سوريا ما كانت بيوم من الأيام لون واحد. تاريخها قائم على تنوع ديني وثقافي، وعلى مدارس وصحافة وفن ونقابات وجمعيات شاركت فيها النساء، رغم كل القيود والتمييز اللي عرفها المجتمع. والمرأة السورية كانت، ولساتها، شريكة بالتعليم والشغل والإنتاج والحياة العامة رغم كل محاولات الإقصاء اللي عم تتعرض إلها.
سوريا ما بدها وصاية زيادة، بدها مواطنة بتحمي الكل، وثقافة بتخلي الاختلاف مصدر غنى، مو ذريعة للتكفير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق