من دمشق وحلب إلى إسطنبول: حكاية القهوة
الدور السوري في انتقال القهوة وثقافة المقهى إلى اسطنبول
بعد دخول اليمن تحت الحكم العثماني، ما وصلت القهوة للعاصمة إسطنبول عبر البحر مباشرة، وإنما انتقلت عبر القوافل وطرق الحج والتجارة البرية اللي كانت دمشق وحلب أهم محطاتها.
كانت حلب بالقرن 16 مركز مالي وتجاري عالمي بيربط الشرق بالغرب (مقال: حلب العاصمة الاقتصادية التاريخية لسوريا) ، بينما كانت دمشق محطة تجميع لقوافل الحج الجاي من الحجاز واليمن، لهيك تعوّد سكان المدينتين على تحميص القهوة وطحنها وتداولها قبل عقود من وصولها للأناضول واسطنبول.
الفكرة الأبرز اللي وصلت لاحقاً لاسطنبول ما كانت القهوة نفسها، إنما فلسفة المكان؛ فالمقاهي اللي بتقدم القهوة كانت موجودة ومألوفة بدمشق وحلب قبل إسطنبول بسنين.
أشهر الروايات التاريخية اللي بتحكي عن انتشار القهوة في اسطنبول وعن فكرة المقهى اللي بيقدم القهوة وثّقها المؤرخ العثماني إبراهيم بَجَوي (Peçevi)، وبتقول إنو تاجرين من سوريا هنن حَكَم الحلبي (Hakem of Aleppo) وشمس الدمشقي (Şems of Damascus) نقلوا ثقافة شرب القهوة بين العامة لإسطنبول، وقتحوا فيها أول مقهى بحي تهتا قلعة (Tahtakale) بمنطقة الفاتح حوالي 1554 جنب سوق المسقوف الشهير وميناء إمينونو.
وأهمية هي الرواية بتظهر دور السوريين بتاريخ القهوة التركيّة وأصولها، فكتير روايات حديثة بتحاول إخفاء هاد التفصيل بتبسيط الرواية وصيغتها على إنها وصلت عن طريق تجار من اليمن لإسطنبول بدون ذكر أصول التجار وكيفية وصولها، فالقهوة ما وصلت على شكل حبوب خضرا بس، والسوريين قدموا نفس القهوة السورية باسطنبول بس بحالتها الأوليّة بدون الهال.
القهوة أصلها إفريقي، انتقلت لليمن وهنيك ترسخت زراعتها وثقافتها، بس انتشارها بلش بعد وصولها بلاد الشام، وخاصة تجار دمشق وحلب، ومن خلال الشبكات التجارية والبشرية الشامية والعثمانية انتقلت لإسطنبول بالقرن 16.
ما كان المكان اللي فتحو التاجرين السوريين مجرد محل بيبيع مشروب سخن لأنو صار مكان اجتماعي وثقافي جديد بالمدينة، مكان ييتجمع فيه الشعراء، والأدباء، والتجار، والوجهاء ليتبادلوا الآراء والأفكار، ويقرأوا الشعر، ويلعبوا الشطرنج والطاولة، وحتى كان فيو شي على نمط الحكواتي المعروف بدمشق، وكان هاد النموذج هو النواة الأولى للشي اللي انعرف بعدين بـ "Kahvehane" التركية.
المقهى السوري نجح بشكل كبير وعمل أرباح كبيرة لصاحبينو، وحوالي عام 1558 - 1560 التاجر الحلبي حكم قرر يصفي أعمالو ويرجع لمدينتو حلب، وحسب المؤرخ التركي فحكم رجع لحلب بثروة كبيرة تقدر بـ 5000 دهبة أما شمس الدمشقي فضّل يبقى ويستقرار بإسطنبول ليكمل تجارته وإدارة شغلو.
مع الوقت مفهوم المقهى اللي بيقدم قهوة تحوّل بسرعة لظاهرة انتشرت بعموم المدينة، وصار يتسابق التجار المحليين على افتتاح مقاهي متل مقهى التاجرين السوريين.
حسب المؤرخين إنو رغم انخفاض أرباح المقهى ضل عم يربح ويقدم القهوة لزباينو لسنين بس بعهد السلطان مراد الثالث قرابة عام 1583 صدرت فتاوى بتحرّم القعدة بالمقاهي بحجة أنها بتشغل العالم عن العبادة والشغل وبتجمع العاطلين، فتسكرت المقاهي رسمياً.
رغم إنو كتير من أصحاب المقاهي تحايلوا على هاد القرار وصاروا يفتحوا محلات حلاقة أو دكاكين عطارة بتقدم القهوة بشكل سري بس بعهد السلطان مراد الرابع عام 1633 شهدت إسطنبول الإغلاق الأشهر والأعنف للمقاهي بعد حريق إسطنبول الكبير، واعتبرها السلطان بؤر للمؤامرات السياسية والتآمر ضد الدولة، فأمر بهدم وإغلاق المقاهي كلها بالمدينة تحت طائلة الإعدام، قبل ما ترجع تفتح مرة تانية بعهود لاحقة وتصير جزء أساسي من النسيج الاجتماعي العثماني وتصير القهوة اللي عم تقدمها هي المقاهي وحدة من أشهر المشروبات الشعبية في تركيا، وتغزي محلات وماركات القهوة العالمية بأوروبا والعالم.
إذا منرجع للقهوة نفسها فطريقة طحن الحبوب طحن كتير ناعم متل البودرة وغليها ببطء مع المي بركوة نحاسية بدون تصفية كانت ممارسات سورية ويمنية واستعاضوا عن طريقة نقيع القشرة بنقع وطبخ الحبة المطحونة نفسها.
أما أدوات القهوة من مصبات وركوات والصواني النحاسية اليدوية والفناجين المزخرفة فكانت أسواق حلب ودمشق رائدة بصناعتهن، وهي الحرفة اللي انتقلت لورشات اسطنبول بعدين تأثرت بالطرق السورية الأولى.
القهوة التركية اليوم هي نسخة مشابهة للقهوة السورية بس بدون الهال اللي يعتبر علامة مميزة اليوم لمزاج المشرقي بالقهوة.
المصادر:
(3) كتاب بالتركية "المقاهي العثمانية: المكان، والتواصل الاجتماعي، والسلطة" للكاتب أحمد يشار
(4) كتاب "عالم القهوة" (Kahvenin Peşinde) وكتب تاريخ الطعام للباحث مظهر أوزطاش وغيره: توثيق تطور أدوات التحضير (الجزوة والمصبات) وتجارة البن من بلاد الشام إلى إسطنبول.
(5) كتاب "The World of Caffeine: The Science and Culture of the World's Most Popular Drug" للباحثين Bennett Alan Weinberg و Bonnie K. Bealer: بيتناول بفصوله التاريخية جذور المقهى كمؤسسة مدنية انتقلت من مدن المشرق العربي (القاهرة، دمشق، حلب) لإسطنبول ومنها لأوروبا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق