السعودية وسوريا: قطاران في اتجاهين متعاكسين
من حداثة دمشق الخمسينيات إلى انفتاح الرياض المعاصر مفارقة المسارات
السعودية المتشددة وسوريا المنفتحة
السعودية معقل الفكر الوهابي بتحالف ديني-سياسي مستمر من قرابة الـ 300 سنة وقت تأسست الدولة السعودية الأولى عام 1744، ومن أول لحظة على قيام الكيان السعودي الأول صارهاد التحالف بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقسّم هاد التحالف: الإمارة والسياسة لآل سعود، والفتوى والتعليم الديني لآل الشيخ (ذرية ابن عبد الوهاب) والعلماء.
بينص النظام الأساسي للحكم (الصادر عام 1992) وهو بمثابة الدستور بالدول التانية، بمادته الأولى على إنو المملكة "دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله".
خضعت السعودية لحكم ديني صارم حَظر إقامة الحفلات الغنائية بسبعينات القرن العشرين مع وجود بعض الاستثناءات، وانتشرت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللي كانت بمثابة الشرطة الدينية اللي عندها صلاحيات التوقيف والضبط والملاحقة، وما انسمح للمرأة تسوق السيارة، بالإضافة لوجود نظام الولاية اللي كان يضيق على المرأة تحركاتها.
وبمطلع التمانينيات، عكست الكتب المدرسية (خاصة مواد التوحيد، الفقه، والحديث) رؤية دينية متشددة متأثرة بظاهرة "الصحوة" وبمفاهيم متل مفهوم "الولاء والبراء" اللي كان يركز على معاداة غير المسلمين، وتكفير اللي بيخالف المذهب العقدي السلفي التقليدي، والتحذير من التعامل مع "الكفار" أو تهنئتهن بأعيادهن. ومفهوم "الجهاد وأحكام القتال" من خلال تفسيرات واسعة للجهاد الطلبي بدون تأطير واضح لدور الدولة وسيادتها بإعلان الحرب والسلم، بالإضافة لمفهوم "شيطنة التنوع المذهبي والفكري" اللي كان من خلال وصم المذاهب الإسلامية التانية (كالشيعة والصوفية) بالبدع والشركيات، وحظر أي نقاش فلسفي أو فكري عقلاني.
على الجهة التانية صاغت سوريا عام 1920 واحد من أقدم وأكتر الدساتير تقدماً وليبرالية بزمانه بالمنطقة، وجهزه المؤتمر السوري العام برئاسة هاشم الأتاسي بعهد الملك فيصل الأول بدمشق. هاد الدستور حفظ التعددية الدينية وحقوق الأقليات والمساواة التامة بين المواطنين.
عاشت المدن السورية بفترة الجمهورية الأولى (الأربعينيات والخمسينيات) عصرها الدهبي بالحراك الثقافي والموسيقي بدون أي قيود، هاد الحراك كان مزيج راقي من التقاليد العريقة والحداثة المدنية الليبرالية، ومسرح مفتوح للفنون من الشرق والغرب.
كانت دمشق وحلب محطتين إلزاميتين لكبار فناني العالم الناطق بالعربي، وكانت الحفلات بتستقطب جمهور من مختلف الطبقات والأطياف.
بدمشق كانت صالات متل سينما ومسرح العباسية وسينما دمشق وكازينو المنشية على ضفاف بردى بتستضيف "كوكب الشرق" وموسيقار الأجيال. كانت النخب السياسية (بما فيهن رؤساء جمهوريات ووزراء مع عيلهن) بالصفوف الأولى جنب عموم المثقفين وعشاق الطرب.
بحلب، اللي كانت عاصمة السميعة، كان المرور بمسارحها متل مسرح قصر الحمراء ومسرح رمسيس بمثابة "امتحان قبول" حقيقي لأي فنان ناطق بالعربي حتى ياخد شهادة النضج الفني.
ارتبط حضور عيلة الأطرش بالوسط الفني الدمشقي ارتباط وثيق، وكانت سهراتهن وحفلاتهن بنوادي دمشق ومصايف بلودان والزبداني حديث الناس والصحافة الفنية.
معرض دمشق الدولي اللي انفتح بعهد الرئيس هاشم الأتاسي عام 1954 كان حدث ثقافي إقليمي بامتياز، كان بمثابة مهرجان فني سنوي عالمي لجانب الفعاليات الاقتصادية اللي كانت تصير، واستضاف مسرح المعرض كبار الفنانين، ومنو انطلقت لاحقاً مسارح الرحابنة وفيروز بعلاقتها التاريخية مع الجمهور السوري. وكان يضم عروض للباليه والفرق الفولكلورية العالمية، والسينما المفتوحة، والمطاعم المتنوعة، بمشهد كرس دمشق كمدينة عالمية منفتحة.
تبدل الأدوار
مضت السنين وتغيرت ظروف هدول البلدين، فمؤخراً بالسعودية وبعهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان تم إطلاق ما يسمى "رؤية السعودية 2030" وشهد دور الدين في الفضاء العام والسياسي تحول واسع نحو ما يُسمى بـ "الإسلام المعتدل".
التغيرات شملت تقليص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتم تجريد الهيئة رسمياً من صلاحيات التوقيف والضبط والملاحقة عام 2016، وهاد يعني نهاية دور الشرطة الدينية بالشارع، وصار إصلاحات اجتماعية وحقوقية كبيرة وانفتح المجال للترفيه، وسواقة المرأة للسيارة، وتم إسقاط نظام الولاية عن سفر وسكن النساء، وإقامة الفعاليات الثقافية والفنية بمختلف المدن، والأهم تم تأطير الخطاب الديني فصارت المؤسسة الدينية تابعة ومساندة لتوجهات التنمية والتحديث الاقتصادي والاجتماعي للدولة، مع التركيز على مكافحة التشدد ورفض احتكار التفسير الديني لمذهب أو تيار واحد وقبل هاد كلو صار تعديلات كبيرة على المناهج التعليمية الدينيّة.
بالمقابل، بسوريا اللي تحولت سنوات الحرب الطويلة فيها لأرض خصبة للمشاريع المتشددة، انعكس المشهد فيها بعد سقوط النظام، وقدرت قوى وتيارات سلفية متشددة تتغلغل بالإدارات المحلية ومراكز صنع القرار، ومن وقتها بلشت تطلع قرارات غريبة كتير عن طبيعة المجتمع السوري متل: قرار منع حفلات الرقص والموسيقى بالمطاعم السياحية بوادي بردى (1)، وحظر المكياج بأوقات الدوام الرسمي باللاذقية (2)، تقييد بيع المشروبات بدمشق وحصرها بأماكن ضيقة (3)، وتطويق الحفلات الفنية بحملات تخوين وترهيب علنية اللي كانت سوريا أهم مسارحها بالمنطقة.
المفارقة وصلت لأعرق الصروح التعليمية المدنية بدمشق، متل معهد الحرية (اللاييك)، اللي انفرض فيه الفصل بين الجنسين للمرحلتين الإعدادية والثانوية للمرة الأولى بتاريخ تأسيسه، بوقت شوارع حماة وإدلب وغيرها مليانة صور وإعلانات بتحاول تفرض النقاب على المرأة وبتسيء لغير المحجبات.
رياض اليوم دمشق الأمس .. ادلب اليوم بريدة الأمس
"موسم الرياض" اللي أنطلق بعد 65 سنة من انطلاق "معرض دمشق الدولي" كان بمثابة نسخة حديثة للمعرض بس على أرض العاصمة السعودية، وبوقت الانفتاح السعودي اللي عم يمشي بمراحل متتابعة وتدريجية، عم تمشي العجلة السورية بشكل معاكس نحو الإنغلاق والتشدد بمجتمع متنوع كتير.
رغم صعوبة ويمكن استحالة تحقيق غاية المتشددين بسوريا إلا إنو هي السياسة عم تشكل خطر على السلم الأهلي لمجتمع ما ممكن صبغو بلون واحد ولا ممكن فرض عليه وصاية دينيّة متشددة، وقطار الانفتاح اللي عم تمشي فيه المملكة السعودية رغم صعوبته بعد عقود طويلة من الانغلاق وهيمنة التشدد الصحوي عم يحقق نتائج إيجابية قدرت تدعم القطاع السياحي في السعودية وجذبت كتير من الشركات العالمية ورؤوس الأموال وعم تساعد بالدعم الاقتصادي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق