القومية السورية: الطريق لبناء الجمهورية السورية
سوريا أولاً: نحو طريق ثالث بين القومية العربية والإسلام السياسي
على مدى حوالي سبعين سنة، انحصر الخيال السياسي السوري بين مشروعين، كل واحد فيهم اتدّعى إنو بيمثل هوية أكبر من الدولة السورية نفسها. المشروع الأول هو القومية العربية، وخاصة بصيغتها البعثية، اللي رفعت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والتحرر، بس عملياً تحولت لدولة أمنية مركزية، وحكم حزب واحد، وسيطرة عسكرية على السياسة والمجتمع. وبدل ما تكون سوريا وطن لمواطنيها، صارت تتعامل كأنها جزء من مشروع أيديولوجي أكبر اسمو "الأمة العربية"، على حساب الدولة السورية والمواطنة السورية.
أما المشروع التاني فهو الإسلام السياسي، وخصوصاً متل ما تمثّل تاريخياً بجماعة الإخوان المسلمين. هالتيار ما بلّش كحركة جهادية متطرفة، بلّش كحركة اجتماعية وسياسية محافظة، وكان إلو حضور برلماني بمراحل معيّنة. لكن مع قمع البعث وإغلاق المجال السياسي، دخل هالتيار بمواجهة مفتوحة مع السلطة، وتحول جزء من خطابه وممارساته باتجاه الصدام، والتعبئة الدينية والطائفية، والعمل المسلح. ومع الوقت، فشل الإسلام السياسي كمان بتقديم بديل وطني جامع، وفتح فشله، وتسلّحه، وتديين السياسة، الباب قدام تيارات إسلامية أكثر تطرفاً ساهمت بتدمير النسيج الاجتماعي والثقافي السوري.
بهالمعنى، ما انترك للسوريين مجال طبيعي ليطوّروا حياة سياسية وطنية. الأحزاب ما عاد تتنافس على كيف بدنا نبني الجمهورية السورية، ولا على شكل الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والعدالة. بالعكس، انحشر النقاش العام بين مشروع بيذوِّب سوريا بهوية عربية فوق وطنية، ومشروع تاني بحط السياسة بإطار ديني عابر للحدود. والنتيجة كانت إضعاف فكرة الدولة السورية نفسها، وإفقار الحياة السياسية، ومنع ولادة أفكار جديدة بتعبّر عن الواقع السوري بتعدده وتعقيده.
اليوم، وبعد سقوط أو فشل هالمشروعين بوعي شريحة واسعة من السوريين، سوريا عايشة فراغ سياسي و"أزمة ثقة" عميقة تجاه الأيديولوجيات الكبيرة. كتير ناس صارت تخاف من الشعارات، لأنها شافت كيف ممكن تتحول لأدوات قمع أو تعبئة أو اقتتال. بس هالفراغ ممكن يكون كمان فرصة تاريخية لإعادة تأسيس السياسة على قاعدة مختلفة: سوريا أولاً.
القومية السورية، متل ما ممكن تطرحها حركة الأمة السورية، مو عداء للعرب، ولا للإسلام، ولا لأي مكوّن من مكونات المجتمع السوري. وهي كمان مو انعزال عن المحيط. هي ببساطة إعادة وضع سوريا بمركز السياسة: الجمهورية السورية، المواطن السوري، الأرض السورية، الثقافة السورية، والمصلحة السورية.
بهالمعنى، القومية السورية ممكن تكون طريق ثالث: لا قومية عربية سلطوية بتصهر سوريا بمشروع عابر للحدود، ولا إسلام سياسي بحوّل الدولة لساحة صراع ديني أو مذهبي، ولا مشاريع انفصالية أو طائفية أو مناطقية. هي دعوة لبناء دولة وطنية جامعة، قائمة على المواطنة والسيادة ووحدة الأرض، وبتحترم تنوع السوريين الديني والقومي والثقافي ضمن إطار وطني واحد.
والتركيز على سوريا ما بيعني القطيعة مع المحيط. بلاد الشام بتجمعها روابط تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة، ومن مصلحة سوريا تبني أفضل العلاقات مع لبنان والأردن وفلسطين والعراق وباقي جوارها، بس على أساس احترام السيادة المتبادلة، مو على أساس مشاريع دمج قسري، أو تبعية، أو وصاية، أو تدخل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق