الحقوق السياسية للمرأة من الزعيم إلى الشرع
أكثر من 70 عاماً من استثمار المرأة السورية في سوق السياسة
حتى عام 1949 ما كان مسموح لأي سيدة بسوريا أو بالمنطقة إنها تشارك بالحياة السياسية بشكل فعلي، إلا إنو مرسوم تشريعي صادر عن حسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري بتاريخ سوريا الحديث، منح المرأة السورية حق الاقتراع والترشح بالانتخابات العامة، بالرغم من إنو هالحق كان مشروط بالبداية بحصول المرأة على شهادة التعليم الأساسي وما تم تقييد الرجل بنفس الشرط ، إلا إنو كان بيعتبر أول خطوة تغيير حقيقية بالمشهد السياسي بالمنطقة.
القرار ما كان منحة مجانية بالكامل بل كان نتيجة نضال ثائرات (متل عادلة بيهم الجزائري وثريا الحافظ) بحراك ثقافي ونسوي قوي بلش من العشرينيات ضد الأعراف الاجتماعية اللي حرمت النساء من وجودهن بالفضاء العام وضد القوانين التمييزية يلي ربطت المواطنة والحقوق العامة بنظرية التفوق الجندري للرجال.
وحتى بعد انتخابات 1954، واللي بيصنفها كتير من المؤرخين بإنها الأنزه بتاريخ سوريا الحديث، كان الحضور النسائي شبه معدوم بالحياة السياسية، فالبرغم من إنو كل الأحزاب السياسية متل البعث والشيوعي والقومي السوري الاجتماعي كانت بتضم نساء بصفوفها، إلا إنو هالشي ما حفظلها مكان جوا قبة البرلمان جانب الرجّال ، لتضل المناصب القيادية والسيادية رهينة بالرجال بس.
بفترة الوحدة مع مصر، ومع تصاعد الخطاب القومي العربي اللي طغى على أي خطاب تاني بما فيها النسوي، وبالرغم من الشعارات الرنانة اللي اتغنى فيها عبد الناصر عن دور المرأة العربية ضمن الثورة الاجتماعية بإنها شريك أساسي بالحياة الاقتصادية، ووعودو بتحرير المرأة ودمجها بمسيرة البناء الوطني، إلا أنو ما قدرت تحقق مكاسب جوهرية للمرأة بالمجال السياسي، والإنجاز التاريخي الأبرز اللي اتحقق كان وصول سيدتين للمجلس التشريعي "مجلس الأمة 1958-1961 المكون من 600 عضو" هنن جيهان الموصلي ووداد هارون، والجدير بالذكر إنو حتى هي اللحظة التاريخية الفارقة بحياة النسويات السوريات كانت بقرار من السلطة السياسية العليا وبشروطها، مو عن طريق انتخابات تنافسية حرة!.
تم تأسيس الاتحاد النسائي السوري 1967 واعتباره الممثل الوحيد للمرأة السورية، بعد مرور 4 سنين على استلام حزب البعث الحكم، وبالتالي تم رهن نجاح أي سيدة بالوصول للفضاء العام بالانتساب لهالاتحاد، واللي كان يعتبر مجرد ذراع حزبي لتكوين قاعدة شعبية من النساء، وبيتم تعين قادتو بقرار من فوق بعيد عن صناديق الاقتراع.
من أصل 173 مقعد بالمجلس البرلماني، قدرت 4 نساء سوريات تستحوذ على مكان إلهن بسنة 1973، وكانت بداية التمثيل النسوي اللي اتصاعد تدريجياً، بس ضل هاد إنجاز منقوص، فمعظم النساء اللي دخلوا البرلمان كان بيتم اختيارهن من قبل القيادة الحزبية على أساس الولاء والطاعة للسلطة بعيداً مو بسبب الكفاءات والنضال الحقيقي النسوي المستقل، ولغاية في نفس الأسد الأب هي إضفاء شرعية على نظام حكمه من قبل المنظور الخارجي، وبقيت هالمناصب كهدايا ترضية دون صلاحية حقيقية ودون تغيير إيجابي أثر على منظومة الأحوال الشخصية اللي ضلت محتكرة من قبل السلطة الذكورية.
فالمرأة بتقدر تكون طبيبة ومحامية ومعلمة أو نائبة بالبرلمان بل حتى وزيرة للثقافة بس إنجازها الشخصي بينهار قدام عقبات قانونية مستندة لأحكام تشريعية دينية ضقيت الخناق على حقوقها كأنثى أم أو زوجة أو بنت، وبرغم سطوة البعث إلا إنو ما أطلق أي مبادرة فعلية لإحداث تغيير حقيقي بيقلل من فجوة اللامساواة بين الجنسين بحجة عدم إثارة احتجاج ديني شعبي!
ظهرت بعهد الأسدين مستشارات وإعلاميات، وقدرت تحصل على حقائب وزارية بس ضلت الخريطة المرسومة من قبل السلطة هي نفسها المستمرة والشاملة لسنين، فحضور المرأة كان محصور بمجالات الثقافة، التعليم، الشؤون الاجتماعية والإعلام، أكتر من مجال الدفاع والأمن والسياسة الخارجية.
حاول الأسدين توظيف وجوه نسائية بالمجال السياسي لتلميع صورة الدولة القمعية بالمحافل الدولية وكبوق سياسي أمام الشعب، بتخدم المشروع الشخصي للرئيس من دون أي فوائد تذكر على السوريات، فتم منحها أماكن ضيقة بالفضاء العام بس بالمقابل ضلّت مقيدة بقوانين الأسرة والعرف الاجتماعي.
بعد انطلاق ثورة آذار 2011 ومشاركة واسعة للسوريات ولدت بالمهجر حركات نسوية بنَفَس سياسي من قبل عدد من الناشطات وبتأثير مباشر من الحراك السوري متل: الحركة السياسية للمرأة السورية SWPM واللوبي النسوي السوري وشبكة الصحفيات السوريات SFJN وغيرها، بتشترك جميعها برفضها القاطع للنموذج البعثي القديم وإعادة التجربة الأسدية في تعويم نساء من قبل السلطة بناء على الطاعة.
وصول أحمد الشرع صاحب الخلفية الجهادية لسدّة الحكم، أثار شكوك واسعة حول نيتو الحقيقية بإحداث نظام ديمقراطي قائم على المساواة، فعند أول استحقاق سياسي بعد سقوط نظام الأسد، تم إسناد حقيبة وزارية وحدة لسيدة، و22 وزارة بقيت بإيد الرجال في الحكومة الانتقالية، ليطل بعدها وزير الدفاع أبو قصرة يبرر عدم وضع نساء بالمناصب السيادية بحجة أنو المرأة غير قادرة على حمل السلاح ومنصب وزيرة للدفاع شي بيتعارض مع كينونتها!
بعد صدور النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب اللي صارت بـ 5 تشرين الأول 2025، واللي كشفت عن واقع صادم فمن أصل 119 مقعد قدرت 6 نساء بس توصل للبرلمان، بيبين إلنا عن حجم الهوة الموجودة بين خطاب الحكومة المؤقتة: بإنو الأبواب مفتوحة قدام الجميع وبين مفهوم العدالة الجندرية اللي غاب عن المشهد السياسي!
ولتخفيف احتقان الشعب بما فيهون ناشطين ونشطاء بالمجال الحقوقي والسياسي، أبدى الشرع رغبتو المرتبطة بالقلق والخشية :"بدهن يورطوني، روح أنت اختار النساء، مشان يقولوا الرئيس نسونجي" بزيادة دعم تمثيل النساء بالبرلمان من خلال الحصة المتبقية والمختارة من قبلو واستخدم النكتة كدرع قدام المجتمع الذكوري اللي ما انتخب النساء.
على مدار أكتر من 70 سنة، ناضلت فيها النساء داخل وخارج سوريا لانتزاع حقوقهن السياسية والشخصية اللي يبدو إنها مازالت مهددة أو قابلة للانتزاع من قبل السلطة، بيبرز سؤال جوهري: رح نشهد تغيير ملموس بيعكس طموح السوريات وبيحقق إلهن العدالة والتمثيل الحقيقي بالحكم وسن تشريعات جديدة بتهدم جدار اللامساواة بين الجنسين؟ أو إنو النضال والحراك النسوي رح يضل خارج أولويات السلطة حتى انقلاب عسكري آخر؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق