الحنّة والدقّة.. ذاكرة الجسد في الموروث السوري

الحنّة والدقّة إرث بصري واجتماعي يمتد للعصور الكنعانية والآرامية




بتشكّل الحنّة والدّقّة بالموروث الشعبي السوري ثنائية بصرية واجتماعية عريقة ارتبطت بالجسد الأنثوي، وبعض طقوس الاحتفالات، والهوية الجمعية لمجتمعات البادية والريف والمدن على امتداد آلاف السنين.

إذا بلشنا من الحنّة فهي جذورها ببلاد الشام بتمتد للعصور الكنعانية والأوغاريتية، والتقى بنصوص أوغاريت (رأس شمرا) إشارات لطقوس التزيّن بصبغ النباتات والأعشاب، ومنها أسطورة "عناة" (إلهة بالميثولوجيا الكنعانية/الأوغاريتية)، وتزيّنها للخصوبة والانتصار. وعرفها الآراميين كدلالات اجتماعية وروحية خاصة بترتبط بالبركة، والفرح، وبتوديع العزوبية.


الطقس الأبرز للحنّة هو ليلة الحنّة أو حمام العروس هي ليلة نسوية بامتياز، فيها بتجتمع النسوان وبيغنوا وبيزغردوا وبحنّوا كفوف العروس ورجليها بعد ما تنعجن ورق الحنّة بمي الزهر، وتتشعل الشموع بصواني الحنّة المزينة بالياسمين أو الريحان. 

الحنّة مو بس شي للتجميل لأنو معروفة بالثقافة السوريّة القديمة إنها بتجيب البركة وبتبعد العين، وكمان كانت تستخدم أحياناً لغايات علاجية متل تطهير الجروح، وعلاج تشققات الرجلين.

كمان كان للحنّة طقوس تانية متل تحنين كفوف الأولاد الصغار بالعيد، والنسوان الكبار كانوا يحنّوا شعرهن مشان يقوى وما يشيب بسرعة، وكانوا يقولوا الحنة بتبرد الراس بالصيف. كمان بتستخدم للندر إذا في حدا مرضان مشان يطيب أو حدا مسافر مشان يرجع بالسلامة فكانت الأم بتنذر تحني إيدها وتوزع حنة ع الجيران.

اللي بيميز الحنّة إنو كل منطقة رسمت بيئتها على إيد بناتها، فبحلب كان النقش هندسي دقيق، بالريف كان النقش ورق وورد، وبالجزيرة كان النقش خيوط رفيعة حتى إنو كل ضيعة كان إلها نقشها الخاص.

أما الدقة فهي ممارسة قديمة كتير كمان ازدهرت بشكل خاص عند بدو الشام، وقبائل الجزيرة السورية، والفرات، والبادية، وأرياف حلب والجنوب (حوران)، وهي على عكس الحنّة مو شي مؤقت فهي بمثابة الوشم اليوم.


الدقة بسوريا بترجع للعصور البرونزية والحديدية، واستمرت كأثر حضاري متوارث ما اختفى مع دخول وانتشار الأديان التوحيدية، وضلت موجودة كعرف قبلي واجتماعي.

فكرة الدقة أو الدق بتقوم على غرز الجلد بإبرة رفيعة (أو 3 إبر مربوطة سوا)، بعدها بينفرك الجرح بمزيج مكوّن من الشحوار أو الكحل الحجري وعصارة نباتات برية خضرا (متل الخبيزة) لضمان تحول اللون للأخضر المزرق الداكن بعد الشفاء وأحياناً بينضاف حليب أم ولدت بنت ببعض المعتقدات السحرية الشعبية لضمان ثبات اللون.

كانت تستخدم الدقة لعدة أسباب أهمها جمالية أشهرها دقّة الدقن (السّيالة) اللي كانت لإبراز طول الرقبة واستدارة الوجه، ودقّة الأنف والخد (الذبانة)، ودقّة الحواجب والجبين. كمان كانت تستخدم الدقة كهوية قبلية وطبقية فكانت بعض الرموز والرسوم الهندسية بتدل على عشيرة المرأة أو مكانتها الاجتماعية. كمان كان للدقة وظيفة علاجية متل علاج وجع المفاصل والراس من خلال وشم نقاط محددة حول الصدغين أو الرسغين. كمان تستخدم لرد الحسد وضمان الإنجاب عبر وشم تحت البطن.

الحنة والدقة تحولوا كتعابير بالوعي الجمعي السوري لمرادف لـ "عصر الجدات"؛ فالحنّة بتمثّل البهجة المؤقتة والاحتفال المتجدد، أمّا الدقة بتمثّل الأثر الدائم اللي بيحفر هوية المرأة وعمرها وتاريخها على جسمها بس بمنتصف القرن العشرين، تراجعت "الدقّة" بشكل تدريجي لأسباب دينية وحداثية وصارت محصورة بالجدات الكبار، بس الحنّة قدرت تحافظ على مكانتها كطقس احتفالي متجدد بالأعراس السورية حتى اليوم.

المصادر:

(1) ترجمات ودراسات فراس السواح في كتبه: مغامرة العقل الأولى، ولغز عشتار، وأرام صيدنايا؛ والحديث عن طقوس التطهر بالندى والتخضيب بصبغ النباتات في الميثولوجيا السورية القديمة.
(2) مؤلفات عالم الآثار الفرنسي شارل فيرولو (Charles Virolleaud)، وهو من رواد فك رموز ألواح أوغاريت، وتحديداً الألواح التي تصف طقوس عناة وحربها مع الإله "موت".
(3) دراسة وينفريد سميث ومارسيل هينري (Winifred Smeaton): ورقة بحثية رائدة بعنوان: Tattooing among the Arabs of Iraq and the Syrian Desert
(4) كتاب الوشم في الشرق الأدنى القديم والتراث الشعبي للمؤرخ والأنثروبولوجي العراقي علي الشوك ود. عبد الحميد بورايو
(5) الأب بولس مسعد / لوسيان غويار (Lucien Gautier): كتابات الرحالة والإثنوغرافيين في بادية تدمر وحوران وشرق الأردن في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق